يثير مشروع قانون «ممفيس» عاصفة جديدة حول شكل الحكم فى مصر، إذ يحول العاصمة الإدارية إلى مقاطعة ذات طبيعة خاصة ومقرًا للحكم، تحت إدارة مباشرة من الرئيس، وسط انتقادات حادة من سياسيين ومثقفين وناشطين يرون أنه خطوة لتكريس مركزية فرعونية جديدة تعزل السلطة عن المصريين، وتفتح الباب لمزيد من الاستثناءات الدستورية والإدارية فى بلد يعانى أصلًا من غياب اللامركزية وضعف الرقابة الشعبية.

 

 

العاصمة تتحول إلى مقاطعة مغلقة

 

مشروع القانون المقدم من النائب محمد عطية الفيومي وأكثر من 60 نائبًا يقترح أن تصبح العاصمة الإدارية الجديدة مقاطعة ذات طبيعة خاصة تسمى «ممفيس»، ضمن نطاق مدينة القاهرة، لكن بوضع إدارى وتنظيمى مستقل يخرجها عن قواعد الإدارة المحلية المطبقة على المحافظات والمراكز والأحياء، ويجعلها مستوى جديدًا فوق كل هذه الوحدات، بما يعنى عمليًا إنشاء كيان سيادى مغلق تحكمه قرارات مؤسسة الرئاسة لا آليات الحكم المحلى أو الرقابة المنتخبة.

 

 

تنص المادة 119 من مشروع قانون الإدارة المحلية على أن «ممفيس» مقر للحكم تضم رئاسة الجمهورية والحكومة ومقار الوزارات والسفارات ومجلس النواب ومجلس الشيوخ وغيرها من المؤسسات الدستورية، مع ترك تحديد الحدود والتنظيم والإدارة لقرار يصدر من رئيس الجمهورية، وهو ما يمنح الرئاسة سلطة شبه مطلقة فى رسم ملامح العاصمة الجديدة وحوكمتها بعيدًا عن أى نصوص تفصيلية يقرؤها الرأى العام أو يمكن الطعن عليها دستوريًا قبل صدورها.

 

المادتان 120 و121 تمنحان المقاطعة رئيسًا يعينه رئيس الجمهورية يتمتع بسلطات المحافظ إضافة إلى بعض صلاحيات الوزراء، ومعه مجلس أمناء يعينه أيضًا الرئيس، ليتحول هذا الكيان إلى دائرة حكم مغلقة من المعينين، بلا مجالس محلية منتخبة أو تمثيل سكانى حقيقى، ما يقوّض جوهر فكرة اللامركزية التى يتذرع بها مؤيدو المشروع، ويجعل من ممفيس نموذجًا لسلطة مركزية مركّزة أكثر من أى وقت مضى تحت لافتة شكلية من التطوير الإدارى.

 

هذا التصور التشريعى يثير تخوفات من أن تتحول العاصمة إلى «دولة فوق الدولة»، لها قواعدها الخاصة وأجهزتها وسلطاتها، بينما تظل باقى المحافظات خاضعة لقانون إدارة محلية أقل صلاحيات وأضعف تمثيلًا، بما يخلق فجوة سياسية وإدارية بين مركز الحكم المحصّن وأطراف البلاد، ويزيد إحساس المواطنين بأن ما يجرى فى العاصمة الإدارية لا علاقة له بحياتهم اليومية أو أولوياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

 

من ممفيس إلى «مفيش».. سخرية لاذعة من مشروع فرعونى

 

الدكتور عمار على حسن يضع يده على زاوية ثقافية تكشف البعد الشعبى لرفض المشروع، حين يذكّر بأن اسم «ممفيس» مستورد من عاصمة مصر الموحدة قديمًا، لكنه سيرتد على أصحابه فى الوعى الشعبى، لأن المصريين يميلون إلى تحوير الأسماء، وقد يتحول على ألسنتهم عبر الزمن إلى «مفيش»، فى إشارة تهكمية إلى فراغ المعنى السياسى والاجتماعى لعاصمة جديدة تُبنى بمعزل عن الناس ولا تعكس طموحاتهم أو معاناتهم.

 

يربط حسن بين هذا التحوير المحتمل وبين تاريخ طويل من إعادة صياغة أسماء الأماكن، مثل تحول «خوشقدم» إلى «حوش آدم»، و«ضريح سعد» إلى «جريح سعد»، ليؤكد أن الثقافة الشعبية لا ترحم النخب حين تفرض عليها رموزًا لا تحظى بقبول عام، وأن الشعب إذا أحب شخصية أو مكانًا رفعه إلى مرتبة الأسطورة كما حدث مع «بوابة المتولي»، أما إذا رأى فيه تجسيدًا لظلم أو استعلاء فسيُنزله لغويًا من مقام السلطة إلى قاع السخرية.

 

فى المقابل، يقدم الإعلامى محمد ناصر قراءة سياسية مباشرة ترى أن نقل الحكم من القاهرة إلى «ممفيس» ليس مجرد إعادة تنظيم للعمران، بل محاولة لإحياء مركزية حكم فرعونى، حيث يتم عزل القيادة فى مدينة محصّنة، يحيط بها الموالون والأجهزة الأمنية والشركات، بينما تُترك القاهرة وباقى المدن لصراعات الحياة اليومية بلا تمثيل حقيقى ولا تأثير فى صناعة القرار، بما يعمّق الفجوة بين الحاكم والمحكوم.

 

 

هذا الخط يلتقى مع طرح الدكتور عباس قباري الذى يرى أن المشروع يعيد إنتاج شكل من أشكال «واشنطن دى سى» لكن وفق نموذج أكثر تشددًا، إذ يمنح العاصمة الجديدة وضعًا استثنائيًا كاملًا دون ضمانات ديمقراطية أو ضغوط مؤسسية موازنة، ما يفتح الباب أمام تحويلها لاحقًا إلى مدينة تحمل اسم السيسى باعتباره «مؤسس الجمهورية الجديدة»، فى خطوة رمزية خطيرة تربط الدولة كلها بشخص واحد وتكرس عبادة الفرد بدل بناء مؤسسات مستقلة.

 

صوت الناس: عاصمة منفصلة والشعب «يعمل مقاطعة لممفيس»

 

مع اتساع الجدل على منصات التواصل، يظهر تيار ساخر لكنه كاشف لعمق الغضب، فالدكتور أحمد عطوان يتعامل مع الخبر تحت عنوان «وداعًا العاصمة الإدارية!» فى إشارة إلى أن تغيير الاسم إلى «ممفيس» ليس تفصيلاً رمزيًا، بل إعلان موت المشروع القديم وبداية مشروع أكثر انغلاقًا، يكون فيه الحاكم فوق الرقابة، والعاصمة مجرد مقاطعة مصممة لخدمة السلطة لا المواطنين.

 

 

حزب «تكنوقراط مصر» يلتقط ما يراه مفارقة صارخة، فيصف «ممفيس» بأنها «يوتوبيا تتحقق»، لأن القانون يجعلها مقرًا للحكم والرئاسة والحكومة ومؤسسات الدولة كافة، ويمنحها مجلس أمناء ورئيسًا معينين من الرئيس نفسه، وهو ما يعنى عمليًا أن السلطة التنفيذية تختار من يراقبها ويدير محيطها المباشر، فى تناقض كامل مع أبسط مبادئ الفصل بين السلطات والرقابة الشعبية.

 

 

الكاتب محمد شعبان يدفع الفكرة إلى نهايتها المنطقية، فيقترح ساخرًا منح ممفيس «الاستقلال» لتصبح هى «الجمهورية الجديدة أو إيجيبت»، يذهب إليها الرئيس وبرلمانه وشيوخه وطبقته السياسية كاملة، بينما يستعيد الشعب «مصر اللى نعرفها» بعيدًا عن هذا الكيان المنفصل، بل يذهب أبعد حين يتخيلها «مملكة ممفيس زى ممفيس بتاعة الفراعنة»، ما يعكس تصورًا بأن المشروع يعيدنا إلى نموذج حكم ملكى مقنّع داخل جمهورية اسمًا لا مضمونًا.
 

 

الناشطة رانيا الخطيب تلخص هذا المزاج بمقترح رمزى حاد: «اعملوها مقاطعة وهو يبقى رئيسها مدى الحياة ونشوف بقى حكم وحكومة لبلدنا ونعمل مقاطعة لمقاطعة ممفيس»، وهى جملة تكشف إحساسًا متناميًا بأن السلطة تبنى لنفسها عالمًا منفصلًا داخل حدود مصر، وأن الرد الشعبى الممكن هو تجاهل هذا العالم ومقاومته معنويًا، ثم سياسيًا إذا سنحت الفرصة، عبر البحث عن أشكال حكم أقرب إلى الناس وأكثر خضوعًا للمساءلة.

 

 

فى هذه الأجواء، يصبح مشروع «ممفيس» أكثر من مجرد تغيير اسم العاصمة الإدارية أو إعادة تنظيم جغرافيا الحكم؛ إنه اختبار حاد لعلاقة السلطة بالمجتمع، ولقدرة النظام على التمييز بين تطوير الإدارة وبين بناء حصن مغلق للحكم المطلق، واستعداد المصريين لقبول أو رفض عاصمة تُدار كـ«مقاطعة خاصة» خارج قواعد اللعبة السياسية الطبيعية، فى وقت تتراكم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتحتاج إلى انفتاح أوسع لا إلى مزيد من الأسوار القانونية والرمزية حول مركز القرار.