جمال قاسم

كاتب متخصص في دراسات الشرق الأوسط

 

كتب نصر بن سيار الكناني- أحد أبرز رجالات بني أمية- رسالة إلى آخر الخلفاء الأمويين، الخليفة مروان بن محمد، مستشعرا فيها الخطر الداهم الذي يتهدد دولتهم، وذلك في أبيات شعرية خالدة أشار فيها إلى معنى بليغ تناقلته العرب حتى عصرنا هذا، يصلح أن يكون عنوانا عريضا للإستراتيجية الإعلامية الممهدة للحروب، حيث قال: "والحرب مبدؤها الكلام".

 

ولعل تراشق التصريحات النارية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية الإسلامية آية علي خامنئي، يشير إلى احتمال اقتراب مواجهة أمريكية- إيرانية، قد تدخل المنطقة في صراع عسكري يصعب التكهن بنطاقه أو امتداده الجغرافي.

 

غير أن تجنب هذا السيناريو يظل ممكنا متى ما استمعت الإدارة الأمريكية إلى صوت العقل، ومنحت المفاوضات النووية مع إيران فرصة حقيقية لنزع فتيل التوتر وتفادي الصدام العسكري. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية- في تصريحات لافتة- جاهزية قواتها لشن ضربات جوية محتملة ضد أهداف عسكرية إيرانية.

 

وفي المقابل، ألمح خامنئي، إلى قدرة القوات الإيرانية على استهداف وإغراق حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة.

 

كما نفذت إيران مناورات عسكرية أدت إلى إغلاق مؤقت لمضيق هرمز، في إطار تدريبات شملت الاستعدادات الحربية لإطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية.

 

وجاء تبادل هذه التصريحات المتصاعدة في وقت تتواصل فيه جولات المفاوضات الدبلوماسية بين الطرفين، ‏وظهور بوادر انفراج سياسي لاحَت في الأفق خلال الأيام الماضية، مما يجعل المشهد الإقليمي مفتوحا ‏على مصراعيه على احتمالات متعددة بين ‏التهديد والتصعيد والتهدئة.

 

أدلى ترامب ‏مؤخرا بتصريح- بدا أقرب إلى إعلان ذي طابع درامي تلفزيوني- مفاده أن الجميع سيعلم خلال الأيام العشرة القادمة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخوض حربا ضد إيران أم لا.

 

وربما يكون ترامب قد استغل فترة انعقاد المفاوضات مع طهران للتحضير لخيارات عسكرية- ‏تحت ستار تصعيد الضغوط بهدف دفع إيران إلى القبول بالشروط الأمريكية، وعلى رأسها الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم.

 

وعليه، يبقى المشهد حاليا رهن إشارة الرئيس ترمب، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، لإعطاء الضوء الأخضر لبدء أي هجمات محتملة ضد أهداف إيرانية.

 

وقد يكون قرار ‏الحرب قد حسم بالفعل، لكن تنفيذه قد يرتبط بانتظار معلومات استخباراتية دقيقة تتيح استهداف قيادات إيرانية عليا مما يشير إلى ارتفاع سقف الأهداف السياسية للعمل العسكري ‏الأمريكي هذه المرة-مدفوعا بثقة الإدارة الأمريكية بقدراتها العسكرية- بما يسمح بتنفيذ ضربات مبكرة تحدث شللا وإرباكا في مراكز القيادة والسيطرة ‏الإيرانية.

 

غير أن التساؤل يظل قائما: هل ستستهدف أي ضربات محتملة رأس النظام- آية الله علي خامنئي- شخصيا؟ أم ستقتصر على قيادات أخرى سياسية، أو كبار قادة القوات المسلحة والحرس الثوري؟

 

تعتمد الإجابة عن هذين السؤالين على عنصرين أساسيين هما:

 

  • مدى التغيير الذي يريده ترامب في النظام الإيراني.

 

  • وكذلك توافر معلومات استخباراتية مؤكدة بشأن أماكن وجود القيادات العليا.

 

وفي المقابل، يظل احتمال استجابة إيران لبعض المطالب الأمريكية قائما، خاصة في ضوء تقارير أشارت إلى استعداد طهران لطرح فرص استثمارات في قطاعها النفطي أمام شركات أمريكية- في سابقة ‏هي الأولى من نوعها منذ قيام الثورة الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود- في محاولة لتفادي المواجهة العسكرية.

 

غير أن مثل هذه التنازلات المحتملة قد تفتح الباب أمام مطالب أمريكية إضافية، وإذا صح ذلك، فإن كلفة الضغوط العسكرية المتصاعدة قد تكون مرتفعة للغاية، وربما تتجاوز حدود ما يمكن احتواؤه عبر تنازلات جزئية ‏لا تلبي المطالب الأمريكية ومطامع ترامب السياسية.

 

‏خطورة الانزلاق في حرب شاملة

 

على الرغم من أن الولايات المتحدة وإيران لا ترغبان- على الأرجح- في اندلاع حرب شاملة بينهما، فإن أي ضربات أمريكية قوية ضد أهداف إيرانية قد تقابل هذه المرة برد إيراني أكثر ضراوة وتأثيرا- يستهدف مواقع عسكرية أمريكية أو إسرائيلية- بخلاف ما حدث في مرات سابقة حين اتجهت طهران إلى استهداف أهداف أمريكية محدودة الأهمية نسبيا، تفاديا للانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

 

فعلى سبيل المثال، فإن استهداف ‏إيران أيا من حاملات الطائرات الأمريكية المنتشرة في المنطقة- تنفيذا لتهديدات سابقة صدرت عن المرشد الأعلى الإيراني- سيعد حدثا عسكريا بالغ الخطورة، قد لا تجد الولايات المتحدة بعده مفرا من الانخراط في حرب واسعة النطاق ضد إيران.

 

وعليه، فإن احتمال خروج الضربات العسكرية المتبادلة- في حال وقوعها- عن نطاق السيطرة يظل احتمالا كبيرا، في ظل تعقيدات المشهدين الأمني والسياسي في المنطقة، وما ينطويان عليه من تداخلات إقليمية ودولية قد تسرع من وتيرة التصعيد وتوسع دائرته.

 

ولكن كيف يمكن للرئيس الأمريكي أن يقود حربا شاملة ضد إيران من دون أن يقود حملة علاقات عامة داخل الولايات المتحدة لإقناع المواطنين بجدوى هذه الحرب، وأهميتها للمصالح الإستراتيجية الأمريكية؟

 

وهذا ما فعله سلفه الجمهوري جورج بوش الابن قبل حرب العراق عام 2003، حين أمضى شهورا يجوب الولايات المتحدة متحدثا عن خطر برنامج الأسلحة الكيماوية العراقية- المزعومة- مؤكدا أنه لا ينبغي ترك نظام الرئيس السابق صدام حسين قائما، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.

 

كما أن ترامب لم يسعَ إلى إقناع القادة الجمهوريين في الكونغرس بضرورة دعم مثل هذه الحرب، على غرار ما فعله جورج بوش الابن عندما نجح في إقناع الكونغرس بإصدار تشريع يخول له القيام بعمل عسكري ضد نظام صدام حسين؛ بحجة الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي.

 

وفي ظل غياب هذين العاملين المهمين- حملة علاقات عامة واسعة، ودعم واضح من الكونغرس- يصعب التكهن بكيفية إقدام ترامب على شن حرب شاملة ضد إيران.

 

بيد أن ترامب قد يرى أنه غير ملزم بإخطار الكونغرس مسبقا للحصول على إذن بضرب إيران، لكنه سيكون حتما في حاجة ماسة إلى دعم الكونغرس السياسي والمادي إذا طال أمد الحرب، حتى وإن استمرت لبضعة أسابيع فقط.

 

‏وعلى كل حال ستكون تبعات مثل هذه الحرب-إذا حدثت- على الاقتصاد العالمي وخيمة جدا خاصة في حال انقطاع إمدادات النفط العالمي عبر مضيق هرمز، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة معدلات التضخم في معظم اقتصاديات العالم التي لم تتعافَ بعد من تداعيات أزمة كورونا العالمية.

 

‏ ‏أهداف ترامب الخفية

 

كلما ازدادت درامية الأحداث- وما يصاحبها من تغطية إعلامية مثيرة لتصريحات وقرارات ترمب- ازدادت معها نشوة ترامب ورغبته في السيطرة على المشهد السياسي، سواء داخل الولايات المتحدة، أو على الساحة الدولية.

 

ويبدو أن الرئيس الأمريكي يعتقد أن تضارب تصريحاته يسهم في إبقاء الخصم في حالة حيرة إزاء تحركاته الإستراتيجية، وهو ما يرى أنه يحقق له ولسياساته مكاسب مهمة.

 

غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحا: هل يريد الرئيس الأمريكي حقا توجيه ضربات جوية عسكرية قوية، يعقبها تفجر ثورة داخلية أو انقلاب عسكري في إيران يطيح بنظامها السياسي؟ أم إنه يسعى بالأساس إلى تحقيق نصر سياسي كبير، عبر حشد غير مسبوق للضغوط ضد إيران، يفضي إلى تخليها الكامل عن برنامجها النووي وقدراتها المرتبطة به، الهدف الذي عجز عن تحقيقه رؤساء الولايات المتحدة السابقون، من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما وصولا إلى جو بايدن؟

 

‏ولعل اللافت في هذه التطورات أن معظم الأطراف الإقليمية والدولية -باستثناء إسرائيل- لا ترغب في انزلاق الأمور إلى مواجهة عسكرية شاملة، بما في ذلك الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

فهي حرب لا يبدو أن طرفيها يرغبان في خوضها، لكنهما قد يجدان نفسيهما- نتيجة حسابات سياسية خاطئة أو سوء تقدير- منخرطين في صراع غير ضروري، يدفع العالم بأسره ثمن تداعياته.

 

تعتقد دوائر صنع القرار في إسرائيل أن انهيار إيران من شأنه أن يمكنها من فرض سيطرتها وهيمنتها الإقليمية في الشرق الأوسط.

 

غير أن التجارب القريبة تشير إلى أن إخضاع الشعوب أو كسر إرادتها ليس بالأمر الهين.

 

فإسرائيل، التي لم تتمكن من إرغام حركة حماس على الاستسلام أو التخلي عن سلاحها رغم حرب مدمرة استمرت عامين وأسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين في غزة، قد تجد أن مواجهة دول ذات تاريخ طويل وشعور قومي راسخ ليست مهمة يسيرة.

 

كما أن السياسات الإقليمية الإيرانية خلال السنوات الماضية- بما في ذلك تدخلاتها عبر فيلق القدس في عدد من الساحات العربية ‏في سوريا والعراق واليمن- شكلت، بصورة غير مباشرة، عامل استنزاف لصراعات بعيدة عن المواجهة المباشرة مع إسرائيل، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتهدئة المخاوف الإسرائيلية أو الحد من طموحاتها الإقليمية.

 

وعليه، فمن المرجح أن يلجأ ترامب إلى توجيه ضربات سريعة ومحدودة ضد إيران، يعقبها مباشرة عرض بالعودة إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأمريكية.

 

وعندئذ ستكون الكرة في ملعب النظام الإيراني، إما القبول بتسوية قاسية تجنب البلاد مواجهة واسعة، أو الانخراط في حرب لا يبدو أنه يرغب في خوضها، لكنها قد تفرض عليه بفعل التوازنات ‏الداخلية والإقليمية.