يواصل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تصعيد خطاب القوة والحشد العسكري حول "حق" إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر والحصول على ميناء، بالتوازي مع تحركات ميدانية واسعة لوحدات الجيش نحو الشمال على تخوم إريتريا وتيجراي، في مسار يهدد بتحويل شعارات "الأمن الإقليمي" إلى مواجهة مفتوحة في واحدة من أكثر مناطق القرن الإفريقي هشاشة واشتعالًا.
#Ethiopia,
— Bashir Hashi Yussuf (@BashirHashiysf) February 22, 2026
Addressing his country's troops in Hawasa :, We have built a secure institution from the tip of Somalia to the tip of Mtswa," Commander-in-Chief of the Armed Forces, Prime Minister Abiy Ahmed, adding that , “whether you like it or hate it, Ethiopia will not remain… pic.twitter.com/pI0iWk88Yh
تهديدات بحر أحمر وقوة نخبة مسيرة.. خطاب "لن نبقى بلا ميناء" يتحول إلى عقيدة عسكرية
خلال عرض عسكري في ستاد هواسا، خاطب آبي أحمد الجيش الإثيوبي بلهجة حاسمة قائلًا إن بلاده "لن تبقى بدون بحر أو ميناء، سواء أحب الآخرون ذلك أم كرهوه"، معتبرًا أن الوصول إلى البحر الأحمر "مسألة وجودية" لإثيوبيا، في استمرار لخط سياسي أعلن عنه منذ 2023، يقوم على تصوير الوضع الحالي كاختناق استراتيجي يجب كسره بأي وسيلة، مع تأكيد رسمي متكرر في لقاءات خارجية على أن إثيوبيا "لا تحمل نوايا توسعية" لكنها ترى الوصول للبحر "ضرورة حياة أو موت".
في الخطاب نفسه، أعلن آبي عن إنشاء "قوة نخبة" مجهزة بتكنولوجيا متطورة، قادرة – بحسب وصفه – على تنفيذ عمليات استطلاع بطائرات دون طيار، وضرب مواقع محصنة بطائرات "كاميكازي" انتحارية، وتنفيذ عمليات سريعة في مواقع استراتيجية، مشيرًا إلى أن هذه القوة مصممة "ليس فقط لتكثيف القتال أو تقصير مدته عند الضرورة، بل لردع الحرب والإرهاب في إثيوبيا والمنطقة ككل"، مع تأكيد أن الجيش بات "قويًا وموثوقًا" قادرًا على إنهاء النزاعات سريعًا إذا ظهرت تهديدات.
تحليل نشره موقع "بوركينا" عن طريقة حكم آبي أحمد يربط بين هذا التصور وبين اعتماد متزايد على "الحكم بالطائرات المسيّرة"؛ إذ تشير شهادات إلى أن الحكومة استثمرت بكثافة في محطات طائرات بدون طيار في مناطق مثل بحر دار وديبري زيت وأفار، واستخدمت هذه الطائرات خلال الحرب مع تيجراي وبعدها في عمليات داخل إقليم أمهرة، ما جعل هذه التقنية جزءًا مركزيًا في عقيدة الأمن الداخلي، وليس فقط في مواجهة تهديدات خارجية، مع تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في ضربات داخلية لم تلق إدانة دولية كافية.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل خطاب آبي عن البحر والميناء عن نمط أوسع من "عسكرة السياسة" واستخدام أدوات الحرب المتطورة لتكريس السلطة داخليًا، قبل استخدامها في صراع محتمل مع دول الجوار على ممر بحري أو منفذ استراتيجي، ما يجعل حديثه عن "ردع الحرب" متناقضًا مع الوقائع التي تشير إلى استثمار سياسي في الحشد والتعبئة بدل التهدئة والحلول القانونية.
حشد واسع نحو الشمال.. قوات وآليات تتجه إلى حدود إريتريا وتيجراي مع استدعاء ضباط قدامى
بالتوازي مع الخطاب السياسي، تشهد الجبهات الشمالية في إثيوبيا تحركات عسكرية كثيفة؛ إذ أفادت تقارير ميدانية عن نقل وحدات كبيرة من الجيش الإثيوبي، تشمل آلاف الجنود والدبابات والآليات، من مواقع تمركزها السابقة إلى محاور قريبة من الحدود مع إريتريا ومنطقة تيجراي، في مشهد يعيد أجواء ما قبل اندلاع الحرب السابقة في الشمال.
مصادر موقع "بوركينا" تشير إلى أن نحو "ثلثي" قوات الجيش الإثيوبي يتجهون نحو تيجراي والحدود مع إريتريا على طول الشريط الشمالي الشرقي، مع رصد أرتال آليات ميكانيكية تتحرك شمالًا، وصور وفيديوهات على شبكات التواصل تظهر قوافل عسكرية كبيرة في طريقها إلى مناطق حدودية، في وقت يتحدث فيه محللون عن "استعداد لسيناريو حرب ممتدة" وليس مجرد مناورات عابرة.
التقارير نفسها تفيد بأن وحدات كانت متمركزة في ووليجا بإقليم أوروميا غادرت مواقعها وتقدمت شمالًا عبر بوري في إقليم أمهرة، بينما تحركت قوات من ميتيكل في إقليم بني شنقول – قمز شمالًا عبر جاوي باتجاه قوارة في أمهرة، وتقدمت وحدات من شيوا في الوسط إلى ممر ديجين ثم ديبري ماركوس ومدينة بحر دار وممر جوندر، مع إعادة انتشار القوات المتمركزة في وسط وجنوب جوندر وبحر دار وديبري بيرهان وديسي وكومبولتشا باتجاه تيجراي.
تقارير أخرى تتحدث عن تحرك وحدات من الجيش من شرق إثيوبيا – جيجيجا وهرار ودير داوا ومنطقة أواش – عبر إقليم عفار باتجاه تيجراي، بما يعكس عملية إعادة تموضع واسعة من الشرق والوسط والغرب نحو الشمال، في نمط لا يمكن تفسيره فقط بضغط على مجموعات متمردة محلية، بل بتجهيز مسرح عمليات محتمل على امتداد الحدود مع إريتريا وإقليم تيجراي الذي ما زالت علاقته مع الحكومة الفيدرالية هشة رغم اتفاق بريتوريا.
إلى جانب التحرك الميداني، فتحت رئاسة أركان الجيش باب التسجيل الفوري للمسرحين من رتب ضباط الصف حتى رتبة "مقدم"، مع وضع شروط تستبعد أي عنصر يشتبه في ولائه لجماعات مسلحة مناوئة للحكومة، وهو إجراء يرتبط عادة بتحضير لخوض عمليات واسعة تتطلب خبرات قتالية سابقة، ومعالجة النقص العددي في وحدات تحتاج لإعادة تعبئة، في ظل استنزاف سنوات من الحرب الداخلية في أوروميا وأمهرة وتيجراي.
هذه المؤشرات مجتمعة دفعت مراكز بحثية مثل "Critical Threats" إلى التحذير من أن الحكومة الفيدرالية بدأت فعلًا "حشدًا تمهيديًا" لحرب موسعة في الشمال، وأن إعادة نشر قوات من أمهرة وأوروميا نحو تيجراي منذ 7 فبراير تزامنت مع اتهامات من جبهة تحرير تيجراي للحكومة بالتحضير لعمليات في الإقليم، ما يعكس غياب ثقة حقيقية في اتفاقات السلام السابقة، واستعدادًا لخيارات عسكرية جديدة.
تبادل اتهامات حاد مع إريتريا.. رسائل انسحاب وقوات تتحرك على الأرض
على مستوى العلاقات مع إريتريا، انتقلت الأزمة من التوتر المكتوم إلى تبادل اتهامات علني؛ إذ وجهت وزارة الخارجية الإثيوبية رسالة رسمية تطالب أسمرة بـ"الانسحاب الفوري" لقواتها من الأراضي الإثيوبية، متهمة إريتريا بالتوغل في العمق داخل الحدود الشمالية الشرقية، وبإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع جماعات "متمردة" على الحدود الشمالية الغربية، معتبرة هذه التحركات "أعمال عدوانية صريحة" لا مجرد استفزازات، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى إمكانية حل الخلافات عبر مفاوضات دبلوماسية.
في المقابل، ردت وزارة الخارجية الإريترية ببيان وصفت فيه الاتهامات بأنها "كاذبة ومختلَقة بشكل واضح"، مشيرة إلى أن لهجتها ومضمونها يعكسان دوافع وأهدافًا سياسية داخلية في إثيوبيا، وليست تعبيرًا عن واقع ميداني دقيق، في استمرار لسجال بدأ منذ إخراج إريتريا من اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب في تيجراي دون إشراك أسمرة كطرف، ما ترك ملفات الحدود والتنسيق الأمني معلّقة ومفتوحة على تفسيرات متضاربة.
تغطيات شبكة "الجزيرة" و"بي بي سي" نقلت عن دبلوماسيين إقليميين أن كلا الطرفين – إثيوبيا وإريتريا – نشر قوات ووحدات عسكرية قرب حدود تيجراي، مع تحرك آليات ثقيلة من الجانب الإثيوبي شمالًا عبر بحر دار، وتحركات موازية من الجانب الإريتري داخل أجزاء من تيجراي، ما يرفع خطر انزلاق الوضع إلى مواجهة مباشرة، خاصة في ظل خطاب إثيوبي يتحدث عن "ملف البحر الأحمر" و"ميناء عصب" بوصفه موضوعًا قابلًا للتفاوض لكنه في الوقت نفسه "حق تاريخي" لإثيوبيا.
تحليل "بوركينا" يذهب أبعد من ذلك، متهمًا آبي أحمد بأنه "يحضّر لحرب مع تيجراي وإريتريا لأجل ترسيخ سلطته"، وليس فقط لأسباب سيادية، في ظل فشل داخلي واسع في فرض الأمن والقانون في مناطق متعددة، واعتماد متزايد على "القيادة عبر غرفة العمليات" و"الجيش الرقمي" و"الطائرات المسيّرة" كأدوات حكم، ما يجعل أي تصعيد خارجي أيضًا وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية حول "تهديد خارجي" وتحويل الأنظار عن أزمات عميقة في الاقتصاد والإدارة.
في ظل هذا المشهد، تبدو تصريحات آبي أحمد عن "عدم وجود نوايا توسعية" في سعيه للوصول إلى البحر الأحمر متناقضة مع الوقائع؛ فالتلويح الدائم بأن إثيوبيا "لن تبقى بلا بحر"، والحشد العسكري الكثيف نحو الشمال، وفتح باب استدعاء الضباط، وتبادل الاتهامات الحادة مع إريتريا، كلها عناصر ترسم لوحة تحضير ممنهج لخيار القوة، مهما كانت اللغة الدبلوماسية المستخدمة في المحافل الدولية.
الضغط على الجيران، واستخدام ملف البحر الأحمر كمبرر تعبئة، وتحويل الجيش إلى أداة لحسم ملفات جيوسياسية معقدة، يضع القرن الإفريقي أمام احتمال موجة صراع جديدة بين دولتين خرجتا قبل سنوات قليلة فقط من حرب مدمرة، ومعهما إقليم تيجراي الذي لم يلتئم جرحه بعد، ما يجعل أي خطأ في الحساب أو مغامرة سياسية محسوبة على الورق فقط، وصفة لانفجار إقليمي سيدفع المدنيون ثمنه أولًا، داخل إثيوبيا وعلى حدودها، وفي مسارح نزوح جديدة تضيف طبقة من الفوضى إلى منطقة لم تخرج أصلًا من دوامة الحروب.

