أثار تناول شخصية د. محمود عزت في مسلسل «رأس الأفعى» عاصفة انتقادات وسخرية على منصات التواصل، بعد أن ظهر في العمل بوصفه العقل المدبر لمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في حادث المنشية عام 1954، رغم أن الرجل من مواليد 1944، ما يعني أنه كان طفلًا في العاشرة وقت الحادث، وهو ما اعتبره المصريون مثالًا فجًا على التلاعب الدرامي للتوظيف السياسي، وتصنيع «شماعة» جاهزة تُحمَّل لها كل خطايا الأنظمة المتعاقبة تحت لافتة «الإخوان».

 

دراما تخلط التواريخ: طفل في العاشرة يتحول إلى «عقل مدبر» لمحاولة اغتيال

 

الانفجار الأول للنقاش بدأ من منشور للصحفية عائشة السيد التي لفتت إلى مفارقة أساسية: المسلسل يقدّم محمود عزت باعتباره صاحب دور مركزي في تدبير أحداث المنشية، بينما الوقائع التاريخية الموثقة تشير إلى أن محاولة الاغتيال جرت في 26 أكتوبر 1954، وكان منفذ إطلاق النار محمود عبد اللطيف، القيادي الإخواني البالغ حينها قرابة 30 عامًا، وليس الطفل محمود عزت المولود عام 1944.
 

 

تعليق الناشط سمير جاء في الاتجاه نفسه، مع نبرة أكثر حدة، إذ سخر من الخط الدرامي الذي يجعل طفلاً في العاشرة «يخطط» لمحاولة اغتيال رئيس، واعتبر أن الأمر يكشف – من وجهة نظره – إصرار السلطة وإعلامها على استخدام «شماعة الإخوان» لتبرير الفشل والفساد، ووصف صناع العمل بعبارات حادة تتهمهم بانعدام الحياء السياسي والفكري.

 

 

هذه المفارقة الزمنية استُخدمت كمدخل رئيسي للسخرية من المسلسل، باعتبارها خطأ لا يمكن تبريره فنيًا أو بحثيًا، خصوصًا أن سيرة محمود عزت الموثقة تشير إلى أنه تأثر بحادث المنشية كجيل شاهد تبعاته من قمع للإخوان في منتصف الخمسينيات، لا كمن خطط له وهو طفل في المرحلة الابتدائية.

 

سخرية سياسية جماعية: مبالغة في شيطنة الإخوان وتجاهل لأزمات الواقع

 

حساب «ميدو» صاغ أكثر التعليقات انتشارًا في قالب ساخر مكثف؛ حيث ربط بين الرواية الدرامية عن عزت وبين سلسلة من الاتهامات الكبرى التي لطالما وُجّهت للإخوان في الخطاب الرسمي والإعلامي: تهريب الدولار والذهب، بيع تيران وصنافير، التفريط في رأس الحكمة، ثم ختمها بعبارة ساخرة تصفه بـ«رمز فخر لكل مسلم شريف»، في محاولة لقلب الرواية الرسمية على رأسها وإبراز ما يراه مبالغة مرضية في تحميل شخص واحد مسؤولية كل الكوارث.

 

 

الناشطة نسرين نعيم أعادت طرح نفس نقطة العمر بشكل مباشر؛ إذ أشارت إلى أن المسلسل يجعل عزت مسؤولًا عن محاولة اغتيال عبد الناصر رغم أنه مولود 1944، ثم استخدمت صيغة ساخرة دينية الطابع «لا تغادر قبل أن تكتب سبحان الله» لتأكيد المبالغة والعبث، في تلميح إلى أن ما يجري يفوق قدرة العقل على التصديق.

 

 

حساب «صدى مصر» المعارض قدّم قراءة سياسية أكثر مباشرة؛ إذ اعتبر أن المسلسل جزء من «محاولات التشكيك المستمر» في كل من يرفع صوته ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظامه، وربط بين السرد الدرامي وتدهور أوضاع محمود عزت داخل السجن – بحسب رواية معارضين – من حبس انفرادي ومنع تريض وإهمال طبي، ثم الانتقال الآن إلى مستوى «تشويه السمعة» عبر عمل درامي في موسم رمضان، بما يعكس – في تقديره – خوفًا من صورة الرجل وتأثيره الرمزي داخل تيار الإخوان.

 

 

دفاع عن «سيرة شخصية» وهجوم على الدراما الأمنية: من صلاح بديوي إلى سامي كمال الدين

 

الصحفي نظام المهداوي ركّز على زاوية مختلفة؛ إذ لم يكتف بتفنيد حبكة المسلسل، بل اتهم النظام بالتعامل مع المصريين كـ«قطيع بلا عقول»، معتبرًا أن استثمار موارد ضخمة في مسلسل عن محمود عزت محاولة مكشوفة لصرف الانتباه عن الأزمة الاقتصادية الحادة، مع تذكير لافت بأن سعر الدولار كان عند حدود 10 جنيهات وقت القبض على عزت في أغسطس 2020، في إشارة إلى أن تحميل الإخوان مسؤولية الانهيار المالي متناقض مع الجدول الزمني الفعلي للانهيار.

 

 

الكاتب الصحفي صلاح بديوي ذهب في اتجاه الدفاع المباشر عن محمود عزت كسيرة شخصية؛ فاستعرض خلفيته كطبيب وأستاذ جامعي في الميكروبيولوجيا، ومشاركته في العمل الخيري الطبي عبر جمعيات وحملات لعلاج الفقراء، ثم انتقد بشدة ظروف حبسه الانفرادي منذ 2020، ومنع التريض والطعام الملقى على الأرض – وفق روايته – قبل أن يهاجم المسلسل باعتباره «مسلسل إفك وبهتان» يُراد به تشويه سمعة رجل «لم يسرق ولم يقتل»، داعيًا إلى مقاطعة العمل وكل «مسلسلات الإفك» في رمضان.

 

 

الشيخ سلامة عبد القوي اختصر موقفه في جملة تعبّر عن اصطفاف سياسي وأخلاقي واضح؛ إذ وصف مصر بـ«بلاد الظلم»، ودعا الله لفك أسر محمود عزت وكل «المظلومين»، مع لعن «الظالمين»، وهو خطاب يعكس رؤية قطاع من الإسلاميين لما يجري باعتباره استهدافًا سياسيًا ودينيًا ممتدًا لرموز التيار الإسلامي عبر أدوات أمنية وإعلامية متعاونة.

 

 

الإعلامي سامي كمال الدين ركّز على من يقف – من وجهة نظره – خلف العمل، إذ تحدث عن «ضابط في الشركة المتحدة» يظن أن مسلسلًا عن محمود عزت يمكنه شغل الناس عن الفقر والضيق المعيشي، ثم حمّل السيسي – لا الإخوان – مسؤولية تجويع الناس وإفقارهم، معتبرًا أن انشغال الأجهزة بإنتاج «دراما دعائية» في رمضان بدل معالجة الواقع الاقتصادي يفاقم الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل الدراما إلى أداة دعاية فجة لا تقنع سوى صناعها.

 

 

بين سردية الدولة وسخرية الشارع: معركة على الذاكرة والصورة

 

في الخلفية، ترسم هذه التفاعلات صورة صدام بين سردية رسمية وإعلامية مفبركة وكاذبة تقدّم محمود عزت باعتباره «رأس الأفعى» والعقل المدبر للعنف الإخواني، ومسؤولًا عن جناح مسلح وعمليات تفجير واغتيالات بعد 2013، وسردية وطنية ترى فيه عالمًا وطبيبًا وفاعل خير تعرض لاعتقال سياسي وتعذيب ومحاكمات «مُسيَّسة»، وترى في المسلسل محاولة لتثبيت كذب الدولة عن «تنظيم عنيف» على وعي أجيال جديدة لم تعش فترة عبد الناصر ولا تاريخ الإخوان.

 

من زاوية مهنية، يفتح الجدل أسئلة حول حدود التخييل الدرامي عند تناول شخصيات حقيقية ما تزال قيد المحاكمة أو السجن، وحول مسؤولية كُتاب السيناريو ومنتجي الأعمال الممولة من شركات قريبة من الدولة عن احترام الوقائع الأساسية – مثل تاريخ الميلاد والسن وقت الأحداث – وعدم توظيف الدراما باعتبارها وثيقة إدانة إضافية، خاصة في بيئة يغيب فيها التوازن الإعلامي وتُقصى الروايات البديلة عن الشاشات الكبرى.

 

في النهاية، ما تكشفه حملة السخرية هذه ليس فقط خطأ تاريخيًا فجًا في عمل درامي، بل حجم الهوة بين مشروع تزوير ضخم لإعادة كتابة تشويه الإخوان عبر التلفزيون، وبين جمهور واسع بات يستخدم السخرية ومنصات التواصل لمقاومة هذه الرواية، والتشكيك في نواياها وتوقيتها، وربطها بشكل مباشر بمحاولة صرف الأنظار عن أزمات اقتصادية ومعيشية تتفاقم خارج شاشات المسلسلات.