أثار تناول شخصية د. محمود عزت في مسلسل «رأس الأفعى» عاصفة انتقادات وسخرية على منصات التواصل، بعد أن ظهر في العمل بوصفه العقل المدبر لمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في حادث المنشية عام 1954، رغم أن الرجل من مواليد 1944، ما يعني أنه كان طفلًا في العاشرة وقت الحادث، وهو ما اعتبره المصريون مثالًا فجًا على التلاعب الدرامي للتوظيف السياسي، وتصنيع «شماعة» جاهزة تُحمَّل لها كل خطايا الأنظمة المتعاقبة تحت لافتة «الإخوان».
دراما تخلط التواريخ: طفل في العاشرة يتحول إلى «عقل مدبر» لمحاولة اغتيال
الانفجار الأول للنقاش بدأ من منشور للصحفية عائشة السيد التي لفتت إلى مفارقة أساسية: المسلسل يقدّم محمود عزت باعتباره صاحب دور مركزي في تدبير أحداث المنشية، بينما الوقائع التاريخية الموثقة تشير إلى أن محاولة الاغتيال جرت في 26 أكتوبر 1954، وكان منفذ إطلاق النار محمود عبد اللطيف، القيادي الإخواني البالغ حينها قرابة 30 عامًا، وليس الطفل محمود عزت المولود عام 1944.
معلومة:
— عائشة السيد - Aisha AlSayed (@aishaalsayed9) February 21, 2026
شريف منير صاحب دور محمود عزت في مسلسل رأس الافعى اظهره انه العقل المدبر لأحداث المنشية ومحاولة أغتيال جمال عبدالناصر عام 1954
بينما محمود عزت ولد عام 1944 (كان عمره 10 سنوات وقت الحادث) pic.twitter.com/AxjLLGkO2S
تعليق الناشط سمير جاء في الاتجاه نفسه، مع نبرة أكثر حدة، إذ سخر من الخط الدرامي الذي يجعل طفلاً في العاشرة «يخطط» لمحاولة اغتيال رئيس، واعتبر أن الأمر يكشف – من وجهة نظره – إصرار السلطة وإعلامها على استخدام «شماعة الإخوان» لتبرير الفشل والفساد، ووصف صناع العمل بعبارات حادة تتهمهم بانعدام الحياء السياسي والفكري.
محمود عزت. طلع كان طفل صغير ايام الأحداث اللي بيحكيها المسلسل ،🤣😂😂 اتكسفو ع دمكم بقي كفايه شماعة الاخوان يا شويه لصوص
— S,M🕊 (@ES19A) February 22, 2026
هذه المفارقة الزمنية استُخدمت كمدخل رئيسي للسخرية من المسلسل، باعتبارها خطأ لا يمكن تبريره فنيًا أو بحثيًا، خصوصًا أن سيرة محمود عزت الموثقة تشير إلى أنه تأثر بحادث المنشية كجيل شاهد تبعاته من قمع للإخوان في منتصف الخمسينيات، لا كمن خطط له وهو طفل في المرحلة الابتدائية.
سخرية سياسية جماعية: مبالغة في شيطنة الإخوان وتجاهل لأزمات الواقع
حساب «ميدو» صاغ أكثر التعليقات انتشارًا في قالب ساخر مكثف؛ حيث ربط بين الرواية الدرامية عن عزت وبين سلسلة من الاتهامات الكبرى التي لطالما وُجّهت للإخوان في الخطاب الرسمي والإعلامي: تهريب الدولار والذهب، بيع تيران وصنافير، التفريط في رأس الحكمة، ثم ختمها بعبارة ساخرة تصفه بـ«رمز فخر لكل مسلم شريف»، في محاولة لقلب الرواية الرسمية على رأسها وإبراز ما يراه مبالغة مرضية في تحميل شخص واحد مسؤولية كل الكوارث.
محمود عزت الإخواني الخاين العميل
— 🔻أنا مش احمد المنصور🇵🇸 (@mmedo_D22) February 22, 2026
خطط لقتل عبدالناصر وهو عمره ١٠ سنين
هرب الدولار والدهب علي طيارة زامبيا
الطيارة بتاع العرجاني شريك السيسي وابنه
شوفتو الاخوان جبروتهم وصل لفين يا جدعان
محمود عزت باع تيران وصنافير وراس الحكمه
محمود عزت رمز فخر لكل مسلم شريف والله#رأس_الأفعى pic.twitter.com/CPyptXctst
الناشطة نسرين نعيم أعادت طرح نفس نقطة العمر بشكل مباشر؛ إذ أشارت إلى أن المسلسل يجعل عزت مسؤولًا عن محاولة اغتيال عبد الناصر رغم أنه مولود 1944، ثم استخدمت صيغة ساخرة دينية الطابع «لا تغادر قبل أن تكتب سبحان الله» لتأكيد المبالغة والعبث، في تلميح إلى أن ما يجري يفوق قدرة العقل على التصديق.
— في مسلسل #رأس_الأفعى..
— نسرين نعيم (@nesrinnaem144) February 22, 2026
محمود عزت هو المسؤول عن تدبير محاولة اغتيال جمال عبد الناصر «حادث المنشية» عام 1954.رغم إن ”عزت‟ مواليد 1944
لا تغادر قبل أن تكتب سبحان الله! pic.twitter.com/XtzSKi9Z8t
حساب «صدى مصر» المعارض قدّم قراءة سياسية أكثر مباشرة؛ إذ اعتبر أن المسلسل جزء من «محاولات التشكيك المستمر» في كل من يرفع صوته ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظامه، وربط بين السرد الدرامي وتدهور أوضاع محمود عزت داخل السجن – بحسب رواية معارضين – من حبس انفرادي ومنع تريض وإهمال طبي، ثم الانتقال الآن إلى مستوى «تشويه السمعة» عبر عمل درامي في موسم رمضان، بما يعكس – في تقديره – خوفًا من صورة الرجل وتأثيره الرمزي داخل تيار الإخوان.
في محاولات التشكيك المستمر في كل من قرر أن يقول كلمة الحق في وجه #السيسي وحكومته المستبدة..
— صدى مصر (@sadamisr25) February 21, 2026
إعلام #السيسي عامل مسلسل بيتهم في دكتور محمود عزت بالتخطيط لأحداث المنشية ومحاولة اغتيــــ*ــال عبدالناصر عام 1954!!
الدكتور #محمود_عزت مواليد عام 1944 يعني خطط وحاول وهو عمره 10 سنين… pic.twitter.com/GCf6GgY2Y7
دفاع عن «سيرة شخصية» وهجوم على الدراما الأمنية: من صلاح بديوي إلى سامي كمال الدين
الصحفي نظام المهداوي ركّز على زاوية مختلفة؛ إذ لم يكتف بتفنيد حبكة المسلسل، بل اتهم النظام بالتعامل مع المصريين كـ«قطيع بلا عقول»، معتبرًا أن استثمار موارد ضخمة في مسلسل عن محمود عزت محاولة مكشوفة لصرف الانتباه عن الأزمة الاقتصادية الحادة، مع تذكير لافت بأن سعر الدولار كان عند حدود 10 جنيهات وقت القبض على عزت في أغسطس 2020، في إشارة إلى أن تحميل الإخوان مسؤولية الانهيار المالي متناقض مع الجدول الزمني الفعلي للانهيار.
استخفافٌ واستهبال، كأن المصريين بلا عقول.
— نظام المهداوي - Nezam Mahdawi (@NezamMahdawi) February 20, 2026
إلى متى يتعامل هذا #السيسي مع شعبه وكأنه قطيع سيُصدّق مسلسلاته؟
كان الدولار بعشرة جنيهات حين أُلقي القبض على #محمود_عزت. pic.twitter.com/ppZvosPrbL
الكاتب الصحفي صلاح بديوي ذهب في اتجاه الدفاع المباشر عن محمود عزت كسيرة شخصية؛ فاستعرض خلفيته كطبيب وأستاذ جامعي في الميكروبيولوجيا، ومشاركته في العمل الخيري الطبي عبر جمعيات وحملات لعلاج الفقراء، ثم انتقد بشدة ظروف حبسه الانفرادي منذ 2020، ومنع التريض والطعام الملقى على الأرض – وفق روايته – قبل أن يهاجم المسلسل باعتباره «مسلسل إفك وبهتان» يُراد به تشويه سمعة رجل «لم يسرق ولم يقتل»، داعيًا إلى مقاطعة العمل وكل «مسلسلات الإفك» في رمضان.
الله أكبر من الطغاة والظالمين
— صلاح بديوي (@bedewi110) February 20, 2026
محمود عزت
… طبيب في الثمانين من عمره ، استاذ جامعى حاصل على درجة الدكتوراه في طب الميكروبيولوجى…. أفنى عمره في خدمة الفقراء! أسس الجمعيه الخيريه الاسلاميه بفروعها في مختلف انحاء الجمهوريه ! قام بمئات الحملات الطبيه المجانيه في كل ربوع مصر… pic.twitter.com/7MhLTORQr9
الشيخ سلامة عبد القوي اختصر موقفه في جملة تعبّر عن اصطفاف سياسي وأخلاقي واضح؛ إذ وصف مصر بـ«بلاد الظلم»، ودعا الله لفك أسر محمود عزت وكل «المظلومين»، مع لعن «الظالمين»، وهو خطاب يعكس رؤية قطاع من الإسلاميين لما يجري باعتباره استهدافًا سياسيًا ودينيًا ممتدًا لرموز التيار الإسلامي عبر أدوات أمنية وإعلامية متعاونة.
بلاد الظلم أوطاني
— Salama Abdelkawy - سلامة عبد القوي (@AbdelkawySalama) February 19, 2026
د. محمود عزت
فك الله أسرك وكل المظلومين،
ولعنة الله على الظالمين https://t.co/VgF7D99RlX
الإعلامي سامي كمال الدين ركّز على من يقف – من وجهة نظره – خلف العمل، إذ تحدث عن «ضابط في الشركة المتحدة» يظن أن مسلسلًا عن محمود عزت يمكنه شغل الناس عن الفقر والضيق المعيشي، ثم حمّل السيسي – لا الإخوان – مسؤولية تجويع الناس وإفقارهم، معتبرًا أن انشغال الأجهزة بإنتاج «دراما دعائية» في رمضان بدل معالجة الواقع الاقتصادي يفاقم الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل الدراما إلى أداة دعاية فجة لا تقنع سوى صناعها.
لا يوجد بائس أكثر من ضابط في الشركة المتحدة يعتقد أن مسلسل عن محمود عزت يمكن أن يشغل الناس عن حالة الفقر والضنك التي أوصلهم إليها نظامه!
— سامي كمال الدين (@samykamaleldeen) February 19, 2026
من جوع الناس السيسي وليس الإخوان
من قال أنا جاي أغني الناس وأفقرهم السيسي وليس الإخوان
من وصل الدولة لهذه الحالة هذا @AlsisiOfficial…
بين سردية الدولة وسخرية الشارع: معركة على الذاكرة والصورة
في الخلفية، ترسم هذه التفاعلات صورة صدام بين سردية رسمية وإعلامية مفبركة وكاذبة تقدّم محمود عزت باعتباره «رأس الأفعى» والعقل المدبر للعنف الإخواني، ومسؤولًا عن جناح مسلح وعمليات تفجير واغتيالات بعد 2013، وسردية وطنية ترى فيه عالمًا وطبيبًا وفاعل خير تعرض لاعتقال سياسي وتعذيب ومحاكمات «مُسيَّسة»، وترى في المسلسل محاولة لتثبيت كذب الدولة عن «تنظيم عنيف» على وعي أجيال جديدة لم تعش فترة عبد الناصر ولا تاريخ الإخوان.
من زاوية مهنية، يفتح الجدل أسئلة حول حدود التخييل الدرامي عند تناول شخصيات حقيقية ما تزال قيد المحاكمة أو السجن، وحول مسؤولية كُتاب السيناريو ومنتجي الأعمال الممولة من شركات قريبة من الدولة عن احترام الوقائع الأساسية – مثل تاريخ الميلاد والسن وقت الأحداث – وعدم توظيف الدراما باعتبارها وثيقة إدانة إضافية، خاصة في بيئة يغيب فيها التوازن الإعلامي وتُقصى الروايات البديلة عن الشاشات الكبرى.
في النهاية، ما تكشفه حملة السخرية هذه ليس فقط خطأ تاريخيًا فجًا في عمل درامي، بل حجم الهوة بين مشروع تزوير ضخم لإعادة كتابة تشويه الإخوان عبر التلفزيون، وبين جمهور واسع بات يستخدم السخرية ومنصات التواصل لمقاومة هذه الرواية، والتشكيك في نواياها وتوقيتها، وربطها بشكل مباشر بمحاولة صرف الأنظار عن أزمات اقتصادية ومعيشية تتفاقم خارج شاشات المسلسلات.

