شهدت أسواق الأسماك في الإسكندرية، في رابع أيام شهر رمضان المبارك، ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار، رغم استقرار حالة الطقس وهدوء البحر بما يسمح بأعمال الصيد، وهو ما أثار تساؤلات المتعاملين في السوق حول أسباب استمرار الصعود، في مدينة يعتمد جانب كبير من سكانها على السمك كمصدر رئيسي للبروتين اليومي، خاصة في شهر ترتفع فيه مصروفات الغذاء على أغلب الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

 

تظهر جولة في أسواق الجملة والتجزئة أن سعر كيلو السمك البلطي يتحرك بين 80 و90 جنيهًا، بينما يتراوح سعر البوري بين 180 و220 جنيهًا للكيلو حسب الحجم، ويسجل الدنيس المبطرخ الكبير نحو 420 جنيهًا، وتصل أسعار المغازل إلى 200 جنيه للكيلو، والمازلي البلدي إلى نحو 170 جنيهًا، فيما يقف البربون الأحمر أو ما يعرف بـ"الفراولة" بين 240 و300 جنيه للكيلو وفقًا للحجم، بينما تسجل سافوليا سمك موسى مستويات بين 300 و320 جنيهًا للكيلو، ويباع المرجان عند حدود 210 جنيهات للكيلو.

 

ولا تتوقف الزيادة عند الأسماك الشعبية والمتوسطة السعر؛ إذ يصل سعر كيلو الكابوريا النتايات إلى 280 جنيهًا، والكاليماري "قراطيس" إلى ما بين 220 و260 جنيهًا للكيلو، بينما يباع سمك الدراك عند 220 جنيهًا للكيلو، والقاروص عند 340 جنيهًا، وتُسجل أسماك الموزة 150 جنيهًا للكيلو، والشراغيش نحو 210 جنيهات، وتونة المخططة 140 جنيهًا، في حين يقف السلمون النرويجي درجة أولى عند 700 جنيه للكيلو، ويتراوح سعر الجندوفلي العرايس البلدي حول 140 جنيهًا للكيلو، والميرا 260 جنيهًا، والجمبري البلدي الرصاصي بأحجامه المختلفة بين 420 و650 و820 جنيهًا للكيلو، بينما يصل سعر سمك الوقار إلى 320 جنيهًا للكيلو، ما يعكس نطاقًا سعريًا واسعًا لكنه يتحرك إجمالًا في اتجاه صعودي يزيد الضغط على ميزانيات المستهلكين.

 

أسعار ملتهبة رغم هدوء البحر

 

الارتفاع الأخير يأتي في وقت يشهد فيه البحر المتوسط استقرارًا نسبيًا في الأحوال الجوية يسمح بأعمال الصيد، بما يعني أن العامل المناخي ليس وحده المحرك للمستويات السعرية الحالية، خاصة أن الإسكندرية تُعد من أكبر أسواق السمك في مصر وتستقبل إنتاجًا يوميًا من المراكب، إضافة إلى كميات قادمة من المزارع السمكية ومحافظات مجاورة، ما يطرح أسئلة حول كفاية المعروض مقارنة بالطلب المتزايد في رمضان، ومدى انعكاس تكاليف الإنتاج والنقل على الأسعار النهائية المعروضة للمستهلك.

 

يرى محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة القاهرة التجارية، أن تجربة الشهور الماضية تُظهر أن الأسعار تتحرك بسرعة كلما انخفض المعروض، موضحًا أن السوق شهد زيادات بين 10 و15% في فترات سابقة نتيجة اضطراب الطقس وصعوبة خروج مراكب الصيد، وتراجع الكميات المتاحة، مع ضعف القوة الشرائية التي تقلل حجم الطلب في بداية رمضان ثم تعاود الصعود قرب العيد، وهو ما يجعل المستهلك حبيس حلقة من التذبذب بين ارتفاعات متكررة وفترات قصيرة من الهدوء السعري لا تكفي لالتقاط الأنفاس.

 

محمد حليم، نائب رئيس شعبة الأسماك بغرفة القاهرة التجارية، يلفت من جانبه إلى أن نمط توزيع الأسماك داخل مصر يلعب دورًا إضافيًا؛ إذ يتم توجيه جزء من الكميات الأعلى جودة إلى المدن الساحلية والمناطق السياحية، وبينها الإسكندرية، مع الإبقاء على كميات أقل جودة للأسواق الداخلية، وهو ما يخلق تمايزًا سعريًا بين المحافظات قد يصل إلى 20% لصالح القاهرة في أوقات معينة، ويزيد من حساسية سكان المدن الساحلية لأي موجة ارتفاع جديدة تظهر في مواسم مثل رمضان أو الصيف حيث يرتفع الطلب من السكان والزائرين معًا.

 

تجار وخبراء: التصدير والمعروض المحدود يضغطان على السوق

 

على مستوى التجار، يظل ملف التصدير حاضرًا بقوة في تفسير موجات الغلاء؛ فمحمد قدروة، رئيس شعبة تجار الأسماك بالغرفة التجارية في الإسكندرية، كان قد أكد أن تصدير كميات كبيرة من الأسماك، خصوصًا أسماك البحر مثل البربون والدنيس، أدى في سنوات سابقة إلى ارتفاعات تجاوزت 30% في الأسعار المحلية، نظرًا لأن إنتاج البحر المتوسط أصلاً لا يغطي احتياجات السوق، متسائلًا عن جدوى خروج كميات للتصدير مع هذا النقص، وهي ملاحظة تعود اليوم للواجهة مع صعود أسعار الأنواع نفسها التي يرتبط جزء منها بحركة الصادرات.

 

قدروة دعا وقتها إلى وضع ضوابط أكثر صرامة على التصدير، بحيث يتم منع خروج الأنواع النادرة أو ذات الإنتاج المحدود، والسماح فقط بالأنواع التي يتوافر منها فائض حقيقي، في حين يعتمد السوق المحلي، بحسب تقديره، بصورة متزايدة على أسماك المزارع، وبخاصة البوري والبلطي، وهي أنواع لا تكفي وحدها لتغطية الطلب في المدن الكبرى، ما يجعل أي نقص في الأسماك البحرية أو ارتفاع في تكاليف المزارع يظهر سريعًا في الأسعار المعلنة على الفاترينات.

 

وتشير بيانات سابقة لشعبة الأسماك بغرفة القاهرة التجارية إلى أن السياسات الحكومية نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط أو تخفيف على الأسعار؛ فقرار فرض رسوم على تصدير الأسماك بواقع 12 ألف جنيه للطن أدى في وقت سابق إلى تراجع أسعار بعض الأصناف الأوسع استهلاكًا بما بين 40 و55%، قبل أن تعود الأسعار إلى الارتفاع مع تغير القرارات وتطور عوامل العرض والطلب، ما يعكس حساسية السوق لأي تغيير في قواعد التصدير والاستيراد والرسوم المرتبطة بهما.

 

ثروة سمكية تحت الضغط وحلول مؤجلة

 

من زاوية الإنتاج، يوضح المهندس أحمد الشراكي، خبير الاستزراع السمكي، أن قطاع الثروة السمكية يتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة، بينها ضعف الإنتاجية في بعض المزارع، وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة، وتراجع القدرة على الاستثمار في تجديد الأحواض والتقنيات، محذرًا من أن استمرار هذه الأوضاع يؤدي إلى خسائر فادحة للمزارع، ويجعل الكميات المطروحة في السوق أقل من الطاقة الممكنة، وهو ما ينعكس في النهاية على الأسعار التي يواجهها المستهلك محدود الدخل في مدن مثل الإسكندرية والقاهرة على حد سواء.

 

ويذهب الخبير في شؤون المزارع السمكية محمد شهاب إلى أن تطوير الاستزراع السمكي ليس ترفًا ولا مجرد مسعى لزيادة الإنتاج، بل هو ضرورة للحفاظ على المستويات الحالية ومنع تراجعها، محذرًا من أن أي انخفاض في إنتاج المزارع يدفع السوق تلقائيًا إلى الاستيراد لتغطية الفجوة، بما يعني دخول عنصر سعر العملة والتكاليف الدولية على خط التسعير، وهو ما يزيد هشاشة الأسعار أمام أي صدمات في سعر الصرف أو تكاليف النقل العالمية، ويضع أعباء إضافية على المستهلك المصري في المواسم التي يرتفع فيها الطلب على البروتين البحري.

 

في ضوء هذه الصورة، تبدو قفزة أسعار السمك في رابع أيام رمضان بالإسكندرية نتيجة تلاقي عدة عوامل، تبدأ من معروض لا يلحق بطلب يتوسع موسميًا، مرورًا بتأثيرات سابقة لسياسات التصدير والاستيراد والرسوم، ووصولاً إلى تحديات هيكلية في إنتاج المزارع السمكية وتكاليفها، بينما يبحث المستهلك عن بدائل أقل تكلفة داخل سلة البروتين، أو يتجه إلى شراء كميات أصغر من الأنواع المفضلة لديه، في وقت يتفق فيه الخبراء والتجار على أن أي تهدئة مستدامة للأسعار لن تتحقق إلا عبر مزيج من ضبط التصدير وتحفيز الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة سلاسل التوزيع، بحيث يصل السمك من البحر والمزرعة إلى مائدة الأسرة المصرية بسعر يمكن تحمله حتى في أكثر شهور السنة ضغطًا على ميزانية الغذاء.