هزّ فيديو متداول من قرية ميت عاصم بمدينة بنها الرأي العام المصري، بعد أن ظهر شاب عارٍ تقريبًا أُجبر على ارتداء «بدلة رقص» بينما يحيط به عدد من الرجال ينهالون عليه ضربًا وسبابًا، في مشهد أقرب إلى مشاهد إذلال الخصوم في مسلسلات العنف والبلطجة منه إلى واقع يفترض أنه يخضع لقانون.

 

الروايات المتداولة تشير إلى أن سبب الاعتداء هو علاقة عاطفية جمعت الشاب بفتاة من العائلة المعتدية، تقدم لخطبتها فرفضته الأسرة، ثم اتهمته لاحقًا بخطفها، قبل أن تقرر «معاقبته» علنًا بهذا الشكل المهين.

 

ومع إعلان الداخلية القبض على عدد من المتهمين، بقي السؤال الأوسع حاضرًا: كيف وصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها استعراض القوة والإهانة الجماعية فعلًا عابرًا يمكن تصويره ونشره على منصات التواصل بلا خوف أو خجل؟

 

مشهد إذلال في الشارع.. من ضحية واحدة إلى إهانة مجتمع كامل

 

التفاصيل الأولى انتشرت عبر مقطع الفيديو الذي صدم المتابعين، قبل أن تُنشر روايات متطابقة تقريبًا عن خلفية الواقعة.

 

الشاب، ويدعى إسلام وفق ما ذكره ناشطون، كان قد ارتبط عاطفيًا بفتاة من القرية، وحاول الارتباط بها رسميًّا أكثر من مرة، لكن أسرته قوبلت بالرفض، قبل أن تتهمه عائلة الفتاة بخطفها عندما غادرت منزلها طواعية، بحسب ما ترويه الكاتبة عزة عبد المجيد التي شرحت ملابسات ما جرى وانتهت بتساؤل مُرّ: «استفادوا إيه بقى؟

 

 

 

الناشطة شيرين محمد ربطت بين ما حدث ومسلسلات العنف قائلة إن ما جرى «أدى آخرة البلطجة ومسلسلات محمد رمضان» في إشارة إلى المشاهد التي تُقدَّم فيها الإهانة الجسدية بوصفها وسيلة انتقام رجولية، مع تعليق على الفيديو: «مجموعة أشخاص ملبسين شاب بدلة رقص وبيزفوه ف الشارع!!؟

 

 

 

تعليقات أخرى ركزت على حجم الإهانة النفسية التي تعرّض لها الضحية.

 

 

مستخدم يدعى محمد كتب: «قهر الرجال.. لبسوه بدلة رقص وصوروه في الشارع وقاموا بضربه وإذلاله» وشبّه المشهد بما قُدم في مسلسل يجسد شخصية ناصر الدسوقي، معتبرًا أن الدراما تحوّلت إلى واقع في بنها

 

 

 

مغرّد آخر باسم كلاسي كرّر التشبيه نفسه، مؤكدًا أن «مشهد ناصر الدسوقي بقى حقيقة»

 

 

في المقابل، حذر محمد سيد من أن الجرح لن يتوقف عند لحظة الاعتداء، قائلاً إن حياة الشاب «انتهت في القرية» لأن هذا النوع من الفضح العلني يترك وصمة لا تُمحى لسنوات طويلة

 

 

من شاشة الدراما إلى لايفات الواقع.. تطبيع العنف واستعراض القوة

 

اللافت في معظم التعليقات هو الربط المباشر بين ما حدث وثقافة العنف المتنامية في الدراما والفضاء العام.

 

 

حساب «إسلام» رأى أن الجريمة ليست مجرد واقعة ضرب وإهانة، بل «استعراض قوة وبلطجة وإرهاب وتكدير للسلم العام» مطالبًا بتطبيق القانون حتى لو تنازل الشاب، لأن الرسالة التي تبثها مثل هذه الأفعال أخطر من مجرد خلاف شخصي

 

 

 

الناشط السيد ذهب أبعد في تشخيص الواقع، معتبرًا أن المجتمع «أصبح غير مؤهل للحياة ولا للعيشة» بعد أن «عدّى القاع» على حدّ تعبيره، مشيرًا إلى أن ما يجري في المسلسلات يُطبَّق الآن في الواقع، وأن المطلوب هو تحويل الشوارع إلى «غابة» لا يحكمها سوى قانون القوة

 

 

 

السياسي المعارض عمرو عبد الهادي حمّل المسؤولية المباشرة لبيئة الحكم الراهنة، قائلًا إن الواقعة لا يمكن فصلها عن «عصر السيسي زمن نخنوخ والعرجاني ومحمد رمضان ومحمد سامي والشركة المتحدة»، وأنها تعبير عن مجتمع يتعامل بنفس منطق النظام في الإهانة والعنف، في إشارة إلى تغريدته التي ذكر فيها تفاصيل إجبار الشاب إسلام على التعري وارتداء بدلة رقص في شوارع بنها

 

 

 

بعض المغردين ركزوا على موقف الجمهور الذي وقف متفرجًا أو مصورًا. حساب «ZIZOVIC» قال إن الفيديو «مهين لكل أهل القرية» وليس للولد وحده، لأن أقصى ما فعله كثيرون كان إخراج الهواتف للتصوير بدلًا من التدخل لمنع الجريمة

 

 

 

بينما تساءلت «طيبة» عن حجم الضغوط والتهديدات التي دفعت الشاب للاستسلام، وهاجمت كل من شاهد وصوّر ولم ينصره، معتبرة أن ما حدث إدانة أخلاقية للمجتمع قبل أن يكون إدانة للجناة المباشرين

 

 

 

في المقابل، دعا هاني محمد إلى وقف نشر الفيديو حماية لأسرة الشاب ومستقبله، مذكّرًا بأن «من ستر مسلم ستره الله» وأن مشاركة المقطع بحجة التعاطف تزيد من حجم الفضيحة ولا تسهم في تحقيق العدالة

 

 

 

مسؤولية الدولة والدراما والقانون.. هل تُرد الكرامة بالعدالة؟

 

أجهزة الأمن أعلنت، وفق ما نقلته وسائل إعلام، القبض على عدد من المتهمين في الواقعة، وهو ما أكده أيضًا مغردون مثل حسني الذي وصف ما جرى بأنه «على غرار مسلسلات البلطجة»، مشيرًا إلى أن الجريمة ارتُكبت «بقصد إذلاله أمام المارة» بعد رفض أسرة الفتاة تزويجها له

 

لكن كثيرين يؤكدون أن توقيف الجناة خطوة ضرورية لكنها غير كافية ما لم يصاحبها تطبيق صارم لقوانين تجريم استعراض القوة والبلطجة، وما لم تُفتح نقاشات جادة حول المسؤولية الفنية والإعلامية في تطبيع مشاهد الإهانة والعنف.

 

مغرّدون مثل «إسلام» شددوا على أن الواقعة نموذج صريح لـ«إرهاب مجتمعي» يُفترض أن يعاقب عليه القانون بالسجن المشدد أو المؤبد، لأن ترك مثل هذه الأفعال بلا ردع حاسم يعني تشجيع آخرين على تكرارها تحت شعار «الرجولة» أو «الأخذ بالحق».

بينما لفت حساب «الصقر» في سياقات مشابهة إلى أن استعراض الجسد والرقص والعنف بات جزءًا من المحتوى الذي تروّجه بعض الأعمال والمنصات، في حين تُهمَّش النماذج الإيجابية التي تستحق الدعم.

 

في خلفية المشهد، يبرز سؤال أوسع يتجاوز حدود قرية في القليوبية: كيف تحوّلت الخلافات الأسرية والعلاقات العاطفية إلى محاكم تفتيش ميدانية يتولى فيها بعض الأفراد الحكم والتنفيذ والتشهير في آن واحد؟ وكيف ساهمت سنوات من الخطاب الرسمي الذي يمجّد القوة الأمنية ويحتفي ببلطجة درامية في تشكيل وعي يقبل الإهانة الجسدية باعتبارها «تأديبًا مستحقًا»؟

 

الواقعة تكشف في جوهرها عن خلل مزدوج: هشاشة حماية الكرامة الإنسانية في المجال العام، وتآكل الثقة في مؤسسات العدالة بحيث يفضّل البعض «القصاص بأيديهم» على اللجوء إلى القانون.

 

وإذا كانت هذه الحادثة قد انتهت – مؤقتًا – ببيان عن القبض على المتهمين، فإن اختبار الدولة الحقيقي يبدأ الآن: هل تُطبّق العدالة بما يضمن رد الاعتبار لإسلام وأسرته، ويبعث رسالة واضحة بأن كرامة الإنسان خط أحمر؟ أم يظل الفيديو حاضرًا كشاهد على مجتمع بات مستعدًا لتحويل حياة شاب إلى كابوس علني، ثم يمر إلى فيديو الصدمة التالي وكأن شيئًا لم يكن؟