مع كل اقتراب لرمضان، تعود وزارة الأوقاف لتتعامل مع المساجد بمنطق “التشغيل والإيقاف” وكأنها تدير مكبرات صوت في محطة قطار، لا وجدانًا عامًا يعيش على طقوس شهر كامل. أحدث فصول هذا الجدل تصريحات المتحدث باسم الوزارة أسامة رسلان بأن صلاة التراويح ستُسمع عبر السماعات الداخلية فقط، وبأن ضوابط مكبرات الصوت الخارجية “مستمرة منذ سنوات” ولا جديد فيها.
الوزارة تقول إن الهدف منع التداخل والفوضى، وإن مكبرات الصوت الخارجية في بعض الفترات تحولت إلى “مسرح للتنافس” بين مساجد وتيارات. وتؤكد في بياناتها أن تشغيل المكبرات الخارجية يُقصر على الأذان وخطبة الجمعة والعيدين، مع الاكتفاء بمكبر خارجي واحد إن كان كافيًا، مع ضبط استخدام المكبرات الداخلية وفق مساحة المصلى وعدد المصلين.
لكن المشكلة أن هذا الخطاب—مهما بدا “منظمًا”—يُدار بعقلية الإجراء، لا بعقلية الإدارة الذكية. وكأن أقصى ما يمكن تقديمه للناس في رمضان هو “اسكتوا… الصوت هيتقفل”، بدل سياسات توازن بين حق السكينة وحق الشعيرة، وبين النظام العام وخصوصية الشهر.
منطق “المنع الشامل” أسهل.. لكنه ليس حلًا عادلًا
حين تقول الوزارة: التراويح سماعات داخلية فقط، فهي عمليًا تختار أقصر طريق وأقلّه كلفة إداريًا: الإغلاق. نعم، التداخل الصوتي حقيقي في مناطق كثيفة المساجد، والوزارة نفسها تُشير إلى أن بعض المناطق “بين كل مسجد ومسجد يوجد مسجد… وبين كل زاوية وزاوية توجد زاوية”، ما يجعل الضجيج مضاعفًا. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى مبرر لمنع البث الخارجي بشكل شبه كامل في صلاة تُعد ذروة رمضان الروحية، يكشف خللًا في التفكير: علاج الفوضى لا يكون بعقاب الجميع بسبب سوء استخدام البعض.
الأدهى أن الوزارة تعترف ضمنيًا بأن سبب التصعيد المتكرر ليس خطة إدارة صوتية متدرجة، بل “واقعة خلاف” أو “شكاوى” تتفجر على السوشيال ميديا ثم تُقابل بتجديد تعميمات. في بيان رسمي على منصتها (ديسمبر 2025)، ربطت الأوقاف تجديد الضوابط بخلاف حول مستوى الصوت المنبعث من مسجد، ثم أعادت تذكير العاملين والمؤذنين والأئمة بضوابط تشغيل التجهيزات. أي أننا أمام إدارة ردّ فعل: أزمة صغيرة تُنتج خطابًا كبيرًا… بينما يظل السؤال الأساسي بلا إجابة: لماذا لا توجد منظومة واضحة تُطبق يوميًا، لا موسميًا؟
وبينما تدافع الوزارة عن الضوابط باعتبارها “تنظيمًا”، تُظهر الوقائع أن التنظيم يُختزل في “المنع”، لا في ضبط المعايير. لا نسمع عن قياسات ديسيبل، ولا عن خرائط تداخل، ولا عن تصنيف للمساجد وفق الكثافة السكانية، ولا عن تدريب صوتي للأئمة والمؤذنين، ولا عن آليات رقابة عادلة تمنع التجاوز دون إعدام التجربة الرمضانية في الشارع.
رمضان ليس شهرًا عاديًا.. والقرار يتجاهل وجدان الناس
رمضان في الوعي المصري ليس مجرد جدول صلوات داخل جدران المسجد. هو صوت قرآن في الحارة، وتراويح تخرج طمأنينتها من الباب إلى البيت المجاور، وشيخ كبير لا يستطيع الوقوف طويلًا لكنه يسمع التلاوة فيهدأ، ومريض لا يقدر على النزول لكنه “يشارك” بروحه عبر الصوت. تحويل هذه التجربة إلى شأن “داخلي” فقط، يساوي عمليًا: من لا يستطيع حضور المسجد فليستغنِ. وهذا قاسٍ، حتى لو لم يُقال صراحة.
الوزارة تحاول احتواء الغضب عبر نفي شائعات “منع الأذان والتراويح” وتقول إنها على العكس تسعى لتعزيز الأجواء الإيمانية، ودعت الناس للرجوع لصفحاتها الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات. كما نفت “اليوم السابع” نقلًا عن الأوقاف صدور قرار يمنع إذاعة قرآن الفجر والمغرب عبر المكبرات، مؤكدة أن الضوابط مستمرة دون تغيير.
لكن هذه البيانات نفسها تكشف مأزقًا آخر: الرسالة متذبذبة في الفضاء العام، والوزارة تتحرك بمنطق تصويبي لا استباقي. في كل مرة يشتعل الجدل، تُصدر نفيًا، ثم تذكيرًا بالتعميم، ثم تحذيرًا من الشائعات… بينما يبقى الشارع محملًا بالإحساس نفسه: أن “الخصوصية الرمضانية” تُدار كملف إداري جامد، لا كحياة اجتماعية.
الحل ليس فتح المكبرات بلا ضابط.. بل إدارة محترمة لا تُقصي الناس
ليس المطلوب فوضى سماعات ولا “حفلات تنافس” بين المساجد—وهو وصف ذكره المتحدث باسم الأوقاف كسبب للتنظيم. المطلوب إدارة تفهم أن الصوت في رمضان ليس مجرد “ضوضاء محتملة”، بل خدمة عامة لها قواعد. ويمكن تحقيق ذلك دون إغلاق الباب على الجميع.
كان يمكن للوزارة، بدل تعميم المنع، أن تعتمد نموذج “المساجد المختارة” في كل مربع سكني: مسجد أو اثنان فقط لهما حق البث الخارجي للتراويح وفق شروط صارمة، مع ضبط مستوى الصوت وساعات التشغيل، وتوحيد اتجاه السماعات، ومنع امتداد الصوت لمسافات غير مبررة. وكان يمكن أن يكون الاختيار قائمًا على جودة الإمام والصوت والتزام الإدارة، لا على القرب أو النفوذ المحلي. وكان يمكن إنشاء قناة شكاوى سريعة وشفافة تخص “الصوت” تحديدًا، تُعالج خلال ساعات، لا أن تتحول الشكوى إلى جدل قومي ثم تعميم فوقي.
الوزارة نفسها تقول إن التجهيزات الصوتية “جُعلت لتيسير العبادة وتحبيب الناس فيها لا لتعسيرها وتنفير الناس”. هذا الكلام جميل، لكنه يصبح بلا معنى حين تتحول السياسة العامة إلى: “التراويح داخل فقط”، وكأن المشكلة في الشعيرة لا في سوء إدارتها.
في النهاية، الجدل حول مكبرات الصوت ليس معركة بين “دين” و“تنظيم”. هو اختبار لقدرة الدولة على إدارة تفاصيل حساسة بعقل بارد لكن قلبه حاضر. والحدّة هنا ليست في رفع الصوت على الوزارة، بل في تسمية الخلل: البيروقراطية حين تمسك رمضان، تظن أن السكينة تُصنع بزر إيقاف… بينما السكينة الحقيقية تُصنع بسياسة عادلة، وذوق عام، وإدارة تحترم الناس كما تحترم الشعيرة.

