في رسالة غير مسبوقة من حيث اللغة والاتهامات، وجّه ماهر المذيوب، مساعد رئيس مجلس نواب الشعب بالجمهورية التونسية للفترة النيابية 2019–2024، نداءً عاجلًا إلى الاجتماع رقم 179 للجنة حقوق الإنسان للبرلمانيين في الاتحاد البرلماني الدولي، محذّرًا من أن ما يتعرض له النواب المنتخبون في تونس لم يعد مجرد “تضييق” أو “ملاحقات قضائية”، بل ما سماه صراحة “إبادة سياسية ممنهجة” تستهدف جيلًا كاملًا من الممثلين المنتخبين.

 

المذيوب حذّر في رسالته من أن الصمت الدولي لا يعني فقط التخلي عن عشرات النواب القابعين في السجون أو الملاحَقين بأحكام قياسية، بل يفتح الباب لسابقة خطيرة تهدد معنى الحصانة البرلمانية في العالم كله، إذا قُبل أن تتحول صناديق الاقتراع إلى بوابة لسجون طويلة الأمد، لا إلى فضاءات تمثيل ديموقراطي.

 

أحكام قياسية وخرق فاضح للحصانة.. أرقام ترسم ملامح “الإبادة السياسية”

 

تبدأ رسالة ماهر المذيوب من الواقع الميداني الصارخ: رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي يقبع في السجن منذ أكثر من 1015 يومًا، بعدما صدرت بحقه أحكام يصل مجموعها إلى 46 سنة سجنًا، بينما تواجه عائلته أحكامًا بإجمالي 248 سنة، في ما يشبه عقابًا جماعيًا يتجاوز الشخص إلى الدائرة العائلية بأكملها. في المقابل، تُراكم السلطة أحكامًا لا تقل قسوة بحق نواب ومعارضين آخرين: النائب ماهر زيد تجاوز مجموع الأحكام الصادرة ضده 100 سنة بسبب نشاطه في التدوين، والنائب العياشي زمال حُكم عليه بـ 31 سنة سجنًا بعد ترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 2024، أما النائب سيف الدين مخلوف فقد نال حكمًا بـ 5 سنوات سجنًا، بل وتمّت ملاحقته وتسليمه قسرًا من الجزائر رغم تمتّعه بصفة لاجئ لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

 

هذه الأرقام لا تقرأ بوصفها مجرد “جزاء قانوني”، بل في سياق مسار أوسع من التوظيف السياسي للقضاء. هذا ما تؤكده منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي وصف نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيها، بسام خواجة، الوضع في تونس بأنه عودة إلى زمن “السجناء السياسيين” وسلب التونسيين حرياتهم المدنية التي انتزعوها بعد الثورة، منتقدًا بوضوح استخدام القضاء والأمن لإقصاء المنافسين بدلًا من محاورتهم في ساحة السياسة.

 

قضايا “التآمر” والتنكيل بالنساء واللاجئين.. عندما يتحول القضاء إلى سلاح سياسي

 

الرسالة ترسم خريطة واسعة لقضايا اتُّخذت ذريعة لسحق الخصوم السياسيين تحت عنوان “التآمر على أمن الدولة” في الملفين رقم 1 و 2، حيث توزعت الأحكام على قيادات سياسية وحقوقية: المحامية والحقوقية بشرى بلحاج حميدة حُكم عليها بـ 33 سنة سجنًا، الوزير والقيادي السابق نور الدين البحيري بـ 25 سنة، فيما نال كل من عصام الشابي وغازي الشواشي ورضا بلحاج أحكامًا بـ 20 سنة لكل منهم، بينما أضيفت للغنوشي نفسه 14 سنة أخرى في قضية منفصلة، وتلقى النائب ماهر زيد حكمًا إضافيًا بـ 35 سنة، في حين حُكم على الحبيب اللوز بـ 12 سنة.

 

ولا يتوقف المشهد عند هذا الحد؛ فالنساء لم يكنّ في منأى عن التنكيل: عبير موسي، رئيسة حزب الدستوري الحر، حُكم عليها بـ 12 سنة لمجرد تقديم عريضة، بينما تقبع بثينة بن يغلان رهن الاعتقال دون تعليل قانوني واضح، في وقت حُرم فيه أكثر من 20 نائبًا من تجديد جوازاتهم أو العودة إلى البلاد، في سياسة ممنهجة لدفعهم إلى المنفى القسري أو العزلة السياسية.

 

هذا النمط من الملاحقات الجماعية لا يخرج، في رأي كثير من الحقوقيين، عن سياق أوسع من تجريم المعارضة وتجفيف المجال العام، واستخدام قضايا “التآمر” كغطاء قانوني لعقوبات سياسية طويلة الأمد لا تتناسب مع أي معايير عدالة أو تناسب في العقوبة.

 

اختبار للاتحاد البرلماني والمجتمع الدولي.. هل يُترَك النواب لمصيرهم؟

 

في ضوء هذه المعطيات الثقيلة، يطرح ماهر المذيوب سؤالًا يتجاوز حدود تونس: ماذا يبقى من معنى الحصانة البرلمانية إذا أمكن لسلطة تنفيذية أن تحوّل البرلمان إلى “مصيدة” لنوابه السابقين، وأن تضرب عرض الحائط بكل ضمانات المحاكمة العادلة؟ لذلك، لا يكتفي في رسالته بطلب “التضامن”، بل يضع أمام لجنة حقوق الإنسان للبرلمانيين في الاتحاد البرلماني الدولي حزمة مطالب واضحة: مساءلة رسمية للسلطات التونسية حول هذه الانتهاكات، تعيين مقرر خاص للحالة التونسية، إدراج تونس كبند دائم على جدول أعمال اللجنة، إيفاد بعثة تقصّي حقائق إلى البلاد، واتخاذ إجراءات قانونية بحق البرلمان الحالي الذي شرعن هذا المسار من خلال تشريعات وقوانين استثنائية.

 

رسالة المذيوب، إذن، لا تقتصر على عرض أرقام صادمة أو شكوى فردية من نائب سابق، بل تُخاطب ضمير المنظومة البرلمانية الدولية: إذا قُبل اليوم أن يُسجن رئيس برلمان منتخب لعشرات السنوات، وأن تُوزَّع قرون من السجن على نواب وقيادات سياسية وصحفية لمجرد اختلافهم مع السلطة، فإن رسالة الردع لن تتوقف عند حدود تونس، بل ستغري أنظمة أخرى في المنطقة والعالم بتكرار النموذج نفسه. من هنا تأتي خاتمة رسالته تحذيرًا لا لبس فيه: “ما يجري لا يهدد تونس وحدها، بل يهدد الحصانة البرلمانية عالميًا ويفتح الباب لسابقة مدمرة لمفهوم التمثيل الشعبي”.