يعيش شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أسوأ كوارث التعدين في تاريخه الحديث، بعد انهيار منجم روبايا للـ«كولتان» في إقليم نورث كيفو، ما أسفر – حتى اللحظة – عن مقتل أكثر من 200 شخص، بينهم نساء وأطفال وباعة من السوق المجاور، وسط تحذيرات من أن الحصيلة قد ترتفع مع استمرار انتشال الجثث من تحت الطين.
الموقع المنكوب ليس منجمًا عاديًا؛ فـمنطقة روبايا تنتج نحو 15% من كولتان العالم، وهو الخام الذي يُحوَّل إلى «تنتالوم» المستخدم في صناعة الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر ومكونات الطائرات والتوربينات الغازية. لكن خلف بريق التكنولوجيا، تظهر الصورة الحقيقية: آلاف الفقراء يحفرون بأيديهم في أنفاق خطرة مقابل دولارات معدودة، بلا أي حد أدنى من معايير السلامة أو الحماية.
عمليات انتشال مستمرة.. أرقام الضحايا تتأرجح بين «أكثر من 200» و«ما لا يقل عن 227»
وفقًا للمتحدث باسم الحاكم المعيَّن من المتمردين في نورث كيفو، لومومبا كامبيريه موييسا، فإن الانهيار وقع يوم الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦ بعد هطول أمطار غزيرة تسببت في انهيار جانب كامل من التل على عدة حُفَر تعدين في موقع روبايا. وقد أكد أن «أكثر من 200 شخص» لقوا حتفهم، بينما لا تزال جثث كثيرة مدفونة في الوحل.
تقرير آخر نُقل عن مستشار لحاكم الإقليم – طلب عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريح – رفع الحصيلة المؤكدة إلى ما لا يقل عن 227 قتيلاً حتى مساء السبت، مع استمرار جهود البحث وانتشال الضحايا.
فرق الإنقاذ المحلية، المدعومة بأعداد محدودة من الفرق الطبية، تعمل في ظروف بالغة الصعوبة:
• طين كثيف يغمر أنفاقًا ضيقة حفَرها عمال بطريقة عشوائية.
• أدوات بدائية وعجز عن استخدام معدات ثقيلة بسبب طبيعة الأرض وخطر انهيارات جديدة.
• نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يضطر لنقل المصابين الذين في حالة حرجة إلى مدينة غوما على بُعد نحو 50 كيلومترًا.
حتى الآن، تشير الأنباء إلى إنقاذ عشرات الجرحى ونقل حوالي 20 منهم إلى مراكز صحية محلية، مع ترتيبات لنقل حالات أكثر خطورة إلى مستشفيات أكبر في غوما. ورغم صدور أوامر بتعليق التعدين الحرفي في الموقع وإخلاء التجمعات السكنية القريبة، فإن كثيرين يتخوفون من عودة بعض العمال سرًا إلى الحفر بمجرد انحسار الأضواء الإعلامية، في محاولة يائسة لتأمين مصدر رزقهم الوحيد.
منجم تحت سيطرة المتمردين.. و«الكولتان» يمول الحرب ويغذي الطلب العالمي
الموقع المنهار يقع في بلدة روبايا، الخاضعة منذ ٢٠٢٤ لسيطرة حركة حركة 23 مارس (M23) المدعومة من رواندا بحسب تقارير الأمم المتحدة، والتي استولت على البلدة ومنجمها الإستراتيجي بعد معارك عنيفة مع الجيش الكونغولي.
منذ ذلك الحين، تحوّل المنجم إلى مصدر تمويل أساسي للحركة؛ إذ تشير تقارير خبراء الأمم المتحدة إلى أن M23 تفرض ضرائب على إنتاج ونقل الكولتان من روبايا تُدرّ عليها ما لا يقل عن 300 إلى 800 ألف دولار شهريًا، عبر نظام جباية وسماسرة وشركات وسيطة تُخرج الخام إلى رواندا ومنها إلى سلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، يعيش آلاف العمال المحليين في ظروف أشبه بالعبودية الحديثة:
يحفرون أنفاقًا خطرة بأدوات بسيطة،
يتكدسون بالعشرات في نفس الحفرة،
ويتقاضون يوميًا مبالغ زهيدة لا تعكس بأي شكل القيمة الفعلية للخام الذي يغذي صناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية حول العالم.
منظمات كنسية وحقوقية استغلت الكارثة لتجديد الاتهامات بما يسمّى «لعنة الموارد» في الكونغو؛ إذ أدان الكاردينال فريدولان أمبونغو، رئيس أساقفة كينشاسا، ما أسماه «استغلال ثروات الكونغو على حساب دماء أبنائها»، محذرًا من أن العالم يستمتع بمنتجات الكولتان بينما يغضّ الطرف عن سلاسل إمداد ملوثة بالدم والانتهاكات.
نمط قاتل متكرر: من انهيار «كالاندو» إلى روبايا.. والمحاسبة غائبة
كارثة روبايا ليست حادثة معزولة؛ ففي نوفمبر ٢٠٢٥ قُتل ما لا يقل عن 32 عاملًا في انهيار جسر في موقع «كالاندو» لتعدين النحاس والكوبالت في مقاطعة لوالابا جنوب البلاد، بعدما اندفع مئات العمال فوق جسر بدائي فوق حفرة غارقة بالمياه، رغم أن الموقع كان مغلقًا رسميًا بسبب مخاطر الانهيارات الناجمة عن الأمطار.
تقارير عن قطاع التعدين الحرفي في الكونغو تؤكد أن:
• الأنفاق غالبًا ما تُحفَر يدويًا بلا تدعيم هندسي.
• غياب شبه كامل للرقابة الرسمية في مناطق النزاع.
• انهيارات متكررة لا يحصل ضحاياها على تعويضات تذكر، ولا تُفضي عادةً إلى محاكمات جدية لمسؤولين أو قادة محليين.
في حالة روبايا، تتقاطع ثلاثة مستويات من الفشل:
دولة ضعيفة السيادة على الإقليم،
وحركة متمردة توظف المنجم كـ«بنك حرب»،
وشبكات إقليمية ودولية تغض الطرف عن مصدر الخام ما دام يصل إلى المصانع بأقل تكلفة ممكنة.
حكومة الكونغو في كينشاسا أصدرت بيانًا مقتضبًا عبر منصة X، عبّرت فيه عن تضامنها مع عائلات الضحايا، واتهمت M23 بـ«الاستغلال غير القانوني والخطير» للموارد الطبيعية، لكنّها لم تُعلن – حتى الآن – عن آلية واضحة للتحقيق أو مساءلة الأطراف التي سمحت بتحويل موقع يُفترض أن يخضع لقواعد السلامة إلى مقبرة جماعية مفتوحة.
آخر التطورات تشير إلى:
تعليق التعدين الحرفي في روبايا مؤقتًا،
أوامر بإخلاء التجمعات القريبة من المنجم،
واستمرار عمليات البحث تحت الطين عن جثث يُرجَّح أن يبقى كثير منها مدفونًا إلى الأبد.
في المحصلة، ما حدث في منجم روبايا ليس مجرد «انهيار أرضي بسبب الأمطار»؛ بل نتيجة مباشرة لمزيج قاتل من الفقر، وتوحش الطلب العالمي على المعادن الإستراتيجية، والتعدين غير الآمن في منطقة حرب، وغياب المحاسبة. وبينما تتجه الأنظار إلى أرقام الضحايا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: كم كارثة أخرى تحتاجها الكونغو والعالم قبل أن تصبح أرواح عمال المناجم أهم من شريحة إلكترونية أرخص ببضعة دولارات؟

