في ذكرى ثورة 25 يناير، وأثناء احتفاله بعيد الشرطة، عاد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ليُكثر من الكلام عن “الدم” و“الفتنة” و“العميان البصيرة”. اختيار التوقيت لم يكن بريئًا؛ فالشرطة التي يحتفي بها اليوم، هي نفسها التي كان عنفها وفسادها أحد الشرارات المباشرة لانفجار الثورة عام 2011.
خطاب السيسي الأخير لم يكن مجرد دفاع عن وزارة الداخلية، ولا مجرد سردية سياسية يكررها كل عام، بل كان اعترافًا غير مباشر بالخوف: خوف من يناير ذاتها، ومن احتمال عودتها، ومن سؤال لم يُغلق رغم المقابر والسجون: من قتل؟ من أمر؟ ومن حاسب نفسه؟
دمٌ لا يجف.. وخطاب يرتجف
حين يقول السيسي إنه “لن يقابل ربنا بدم”، لا يتحدث شخص خرج من معركة نظيفة، بل حاكم ارتبط اسمه بأبشع سلسلة مجازر عرفتها مصر الحديثة: الحرس الجمهوري، المنصة، رابعة، النهضة، رمسيس، سيدي جابر، سموحة… ساحات امتلأت بجثث متظاهرين ومعتصمين برصاص الجيش والشرطة، دون لجنة حقيقة، ودون تحقيق مستقل، ودون حتى اعتراف رسمي بعدد الضحايا.
إذا كان السيسي بريئًا من الدم كما يدّعي، فلماذا يطارده شبحه في كل خطاب؟ ولماذا لا يذكر يناير إلا ويستدعي معها فزاعة “الفتنة” و“المؤامرة” و“حماية الدولة من الضياع”؟ من لا يحمل دمًا في عنقه لا يحتاج في كل مناسبة أن يقدّم مرافعة أخلاقية مسبقة عن موقفه أمام الله والتاريخ.
اللافت أن نبرة الخطاب لم تكن نبرة قائد واثق، بل نبرة رجل يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع الآخرين. يكرّر أن ما حدث كان “ضروريًا” و“لا بد منه لإنقاذ الدولة”، لكنه يدرك في قرارة نفسه أن آلاف العائلات تنتظر جوابًا واحدًا: لماذا قُتل أبناؤنا في الشوارع والميادين، ثم طُلب منا أن نحتفل كل عام بالقتلة باعتبارهم “حماة الوطن”؟
الدم الذي يحاول السيسي تبريرَه كل سنة لا يجفّ لأنه لم يُغسل بالحق والعدالة، بل بالروايات الرسمية والأغاني الوطنية والاحتفالات. ولهذا يبقى حاضرًا، لا كشعور بالذنب لديه ربما، بل كجرح مفتوح في وعي ملايين المصريين، مهما حاولت الآلة الإعلامية دفنه تحت ركام الكلام عن “الاستقرار” و“الجمهورية الجديدة”.
مرسي والانتخابات: تبرئة انقلاب متأخرة وفاشلة
الأكثر صدمة في الخطاب ليس فقط الكلام عن الدم، بل استدعاء السيسي لاسم الرئيس الشهيد محمد مرسي، وحديثه عن أنه كان مستعدًا لتركه يخوض انتخابات جديدة، بل وقوله ما معناه: “لو عايزينه تاني خلاص”. هذا الكلام ليس مجرد تناقض بسيط، بل فضيحة منطقية وأخلاقية مكتملة: كيف يمكن أن يُقدَّم مرسي لسنوات في إعلام الانقلاب على أنه “جاسوس” و“خائن” وتهديد للأمن القومي، ثم يقول قائد الانقلاب نفسه إنه كان مستعدًا لتركه يترشح ثانية؟
أما أن مرسي خائن بالفعل، وحينها لا يجوز السماح له بالعودة عبر الانتخابات، أو أنه لم يكن كذلك، وحينها يصبح اعتقاله وخطفه ومحاكمته صوريًّا وتركه يموت ببطء داخل زنزانة جريمة مكتملة لا يغسلها أي خطاب عن “التوافق” و“الانتخابات المفترضة”.
استحضار مرسي بعد سنوات من قتله في السجن دليل على أن ملف شرعيته لم يُغلق في وجدان هذا النظام. الانقلاب ما زال يشعر بأنه يقف فوق أرض تهتز، وأن صورة “الرئيس المنتخب الذي أُطيح به بالقوة” تطارد كل محاولة لرسْم ما حدث باعتباره “ثورة شعبية ثانية”. ولذلك يحاول السيسي اليوم إعادة كتابة القصة: لم نكن ضد الديمقراطية، يقول، بل فقط أردنا انتخابات جديدة، وكأن اختطاف الرئيس قبل بيان 3 يوليو، ومذبحة رابعة بعدها بأسابيع، كانا مجرد تفصيلين ثانويين في “عملية إصلاح لطيفة”!
هذا الحديث المتأخر عن “انتخابات ممكنة” ليس عرضًا لبديل ضائع، بل محاولة فاشلة لتبرئة انقلاب من جريمة إجهاض المسار الديمقراطي بالقوة العسكرية. وفي كل مرة يحاول فيها السيسي تجميل تلك اللحظة، يذكّر الناس دون أن يقصد بأن جريمة 3 يوليو لا تزال بلا حساب.
“نحمي الدولة لا النظام”: خطاب موجَّه للأجهزة لا للشعب
يردّد السيسي منذ سنوات عبارته المفضلة: “نحن نحمي دولة وشعبًا لا نحمي نظامًا”. بعد ثلاثة عشر عامًا، صار السؤال أكثر حدة: أي دولة هذه التي يُسجن فيها عشرات الآلاف بسبب رأي أو منشور؟ أي شعب هذا الذي تُطوّق فيه الميادين، ويُجرَّم فيه التظاهر، ويلاحق فيه المواطن في لقمة عيشه وكل تفاصيل حياته؟
الشرطة التي يحتفل بها السيسي في ذكرى يناير هي نفسها التي كان بطشها في أقسامها وميادينها أحد الأسباب الرئيسة لخروج الناس عام 2011. اليوم، بدل مراجعة حقيقية، يختار النظام أن يحوّل عيد الشرطة إلى “عيد انتصار على يناير”، ورسالة استفزاز متعمد لذاكرة شعب رأى بأعينه كيف قُتل الشهداء في محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية، ثم في رابعة والنهضة وسيناء.
هذا الخطاب في جوهره لا يُخاطب الشعب، بل يطمئن الأجهزة: الجيش، الشرطة، القضاء، والإعلام الموالي. يقول لهم: نحن في خندق واحد، ما فعلناه كان “لحماية الدولة”، والدم الذي سُفك لم يكن جريمة، بل “ضرورة تاريخية”. يعيد تثبيت عقيدة الولاء لا للوطن والقانون، بل لشخص الحاكم ومنظومته.
لكن الأنظمة الواثقة لا تخاف من التاريخ، ولا تحتاج لتبرير الدم كل عام. من يثق في شرعيته لا يخرج كل ذكرى يناير مرتبكًا، يخلط الدين بالسياسة، والوعظ بالتهديد، والدفاع عن الأجهزة بالحديث عن لقاء الله. السيسي لم يخرج في ذكرى يناير الأخيرة ليحكي قصة مضت، بل ليخفي خوفًا حاضرًا: خوفًا من ثورة يعرف أنها لم تُهزم، بل أُجِّلت؛ ومن دمٍ يعرف في قرارة نفسه أنه سيظل سؤالًا مفتوحًا مهما طال الزمن. فمن لا يخاف يناير حقًّا، لا يذكرها بهذا القدر من القلق والتبرير.

