أعلنت منظمات حقوقية وفاة المعتقل السياسي محمد جابر سعد مسعود علي، البالغ من العمر 46 عامًا، داخل محبسه بسجن برج العرب الغربي، وذلك يوم 2 يناير الجاري، بعد رحلة اعتقال امتدت لنحو 21 عامًا متواصلة، وقبل أسابيع قليلة فقط من الموعد المتوقع للإفراج عنه ضمن قرارات عفو رئاسي مرتقبة.

 

الوفاة، التي وثّقها كل من مركز الشهاب لحقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس إيجيبت، أثارت تساؤلات واسعة حول ظروف الاحتجاز، والرعاية الصحية داخل السجون، وحدود المساءلة في حالات الوفاة التي تقع خلف الأسوار.

 

21 عامًا خلف القضبان… ونهاية مفاجئة

 

بحسب البيانات الحقوقية، كان محمد جابر يقضي حكمًا بالسجن لمدة 25 عامًا، أنهى منها 21 عامًا كاملة داخل السجون، معظمها في سجن برج العرب الغربي.

 

وتشير المعلومات إلى أنه كان من المفترض أن يُفرج عنه خلال أسابيع قليلة، بعد إدراجه – وفق ما أبلغ به أسرته – ضمن كشوف عفو رئاسي مرتقب.

 

وتقول عائلته إن خبر الوفاة جاء صادمًا، خاصة أن جابر كان يتمتع بصحة جيدة قبل احتجازه، ولم يكن يعاني من أي أمراض مزمنة معروفة، ما يطرح علامات استفهام حول أسباب تدهور حالته الصحية وملابسات وفاته.

 

شكاوى غير معلنة خوفًا من التنكيل

 

وفق إفادات العائلة التي نقلتها المنظمات الحقوقية، اشتكى محمد جابر خلال السنوات الثلاث الأخيرة من فترة حبسه، في اتصالات محدودة مع ذويه، من سوء معاملة وانتهاكات متكررة.

 

وأوضحت العائلة أن نجلها لم يتقدم بأي شكاوى رسمية، بسبب مخاوفه من التعرض للتنكيل أو العقاب داخل السجن، في ظل ما وصفته بمناخ لا يسمح بالشكوى الآمنة أو الرقابة المستقلة.

 

تقرير رسمي بلا علاج طبي طوال 21 عامًا

 

في تطور لافت، كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن التقرير الرسمي الصادر عن إدارة سجن برج العرب الغربي، أفاد بأن محمد جابر لم يُعرض على أي جهة طبية، ولم يتلقَّ علاجًا طوال فترة حبسه التي امتدت 21 عامًا.

 

واعتبر المركز أن هذا الإقرار الرسمي، إن صحّ، يمثل حالة إهمال طبي جسيم وانتهاكًا واضحًا للحد الأدنى من حقوق المحتجزين، المنصوص عليها في القوانين الوطنية والمعايير الدولية، التي تفرض توفير الرعاية الصحية الدورية والعلاج اللازم لجميع السجناء دون تمييز.

 

سيرة داخل السجن: انضباط وحفظ للقرآن

 

تفاصيل أخرى كشفتها العائلة ترسم صورة مختلفة عن المعتقل الراحل داخل محبسه. فبحسب الإفادات الحقوقية، قضى محمد جابر سنوات شبابه كاملة داخل السجن، وكان معروفًا بين زملائه بحسن السيرة والسلوك.

 

وخلال فترة احتجازه، أتم حفظ القرآن الكريم، كما أُسندت إليه منذ نحو أربع سنوات بعض المهام المتعلقة بالسجلات الإدارية داخل السجن، في إطار ما وصفته إدارة السجن حينها بحسن الانضباط.

 

غير أن العائلة أشارت إلى أن جابر رفض الانخراط في بعض الممارسات غير الرسمية داخل السجن، الأمر الذي أدى – بحسب روايتهم – إلى تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة من بعض القائمين على إدارة محبسه.

 

جثمان محتجز وغموض التحقيقات

 

حتى لحظة صدور البيانات الحقوقية، لا يزال جثمان محمد جابر محتجزًا في المشرحة، وسط غياب أي إعلان رسمي بشأن أسباب الوفاة أو نتائج تحقيقات النيابة العامة.

 

وتؤكد العائلة أنها لم تتلقَّ أي إخطار رسمي يوضح ملابسات الوفاة، أو ما إذا كان قد تم إجراء تشريح طبي مستقل، ما يزيد من حالة الغموض والقلق المحيط بالقضية.

 

عفو لم يكتمل

 

واحدة من أكثر التفاصيل إيلامًا في القضية، ما نقلته العائلة عن آخر زيارة جمعتها بمحمد جابر في نوفمبر 2025، حيث أبلغهم حينها أنه سيغادر السجن خلال شهر واحد فقط، استنادًا إلى معلومات لديه عن إدراجه ضمن قرارات عفو رئاسي مرتقبة.

 

رحل جابر قبل أن يرى حريته، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من سجناء قضوا نحبهم خلف القضبان، في لحظات كان يفترض أن تكون بداية النهاية لمعاناتهم.

 

مطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين

 

من جانبها، دعت منظمة هيومن رايتس إيجيبت إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات وفاة محمد جابر، ومحاسبة جميع المسؤولين عن أي إهمال طبي أو انتهاكات تعرض لها خلال فترة احتجازه.

 

كما شددت المنظمة على ضرورة توفير الرعاية الطبية العاجلة والمنتظمة لجميع المحتجزين، وضمان آليات رقابة فعالة على أوضاع السجون.

 

وأكدت أن وفاة جابر تأتي ضمن سياق أوسع من استمرار حالات الوفاة داخل مقار الاحتجاز، مشيرة إلى أنها وثّقت خلال عام 2025 وفاة 60 سجينًا سياسيًا داخل السجون تنوعت أسباب وفاتهم – بحسب بياناتها – بين الإهمال الطبي المتعمد والتعذيب.