تتواصل موجة الاحتجاجات العمالية داخل مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية في عدد من المحافظات، وسط تصعيد غير مسبوق قبيل انطلاق موسم الإنتاج السنوي، بعدما أعلن العمال رفضهم القاطع لقرارات وزير التموين الأخيرة، معتبرين أنها لا تمثل استجابة حقيقية لمطالبهم المتراكمة منذ سنوات، ولا تعالج أزمة تدني الأجور وتآكل الدخول في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة.

 

ومنذ 5 أيام، يعتصم عمال الشركة في عدة مصانع، رافضين حزمة القرارات التي تضمنت زيادة الأرباح السنوية من 42 إلى 45 شهرًا، ورفع بدل الوجبة من 1000 إلى 1500 جنيه، وزيادة الحافز بنسبة 25%، مؤكدين أن هذه الزيادات “شكلية” ولا تحقق الحد الأدنى من العدالة الأجرية، ولا تضمن وصول رواتبهم إلى الحد الأدنى للأجور المقرر بـ7 آلاف جنيه.

 

رواتب دون الحد الأدنى

 

بحسب شهادات عدد من العمال، لا تزال رواتب شريحة كبيرة من العاملين، حتى بعد إضافة الحوافز والأرباح السنوية، أقل من الحد الأدنى للأجور، وهو ما دفعهم إلى مواصلة الاحتجاجات ورفض أي حلول جزئية. ويؤكد العمال أن الأزمة لا تتعلق بعدد شهور أرباح إضافية أو بضع مئات من الجنيهات في بدل الوجبة، بل بخلل هيكلي في منظومة الأجور داخل الشركة.

 

أحد عمال مصنع سكر دشنا بمحافظة قنا عبّر عن غضب زملائه قائلًا: “إحنا مش واقفين علشان 3 شهور زيادة ولا 500 جنيه، إحنا عايزين مرتب يخلينا نعيش. بعد 20 سنة شغل آخري 6 آلاف جنيه؟ نأكل ولادنا إزاي؟”.

 

اجتماع رسمي… وقراءة عمالية مختلفة

 

وفي خضم التصعيد، عقد وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق اجتماعًا صباح الثلاثاء مع مجلس إدارة الشركة بمقر الوزارة في العاصمة الإدارية. وبينما قالت الوزارة في بيان رسمي إن الاجتماع جاء لمتابعة الاستعدادات لموسم إنتاج السكر، أكدت مصادر نقابية أن توقيت الاجتماع ومضمونه ارتبطا مباشرة بمناقشة الاحتجاجات العمالية المتصاعدة داخل مصانع الشركة.

 

رقعة الاحتجاجات تتسع

 

وانطلقت الموجة الجديدة من الاحتجاجات يوم السبت الماضي، لتشمل في البداية مصانع سكر إدفو بأسوان، ودشنا ونجع حمادي بمحافظة قنا، إلى جانب مصانع المعدات والتكرير وفينوس والكيماويات، وقطاع النقل بمجمع سكر الحوامدية.

 

ومع انضمام مصنع التقطير بالحوامدية الثلاثاء، امتدت الاحتجاجات إلى تسعة مصانع دفعة واحدة، في واحدة من أوسع التحركات العمالية التي تشهدها الشركة منذ سنوات.

 

وفي خطوة تصعيدية لافتة، منع عمال مصنع سكر دشنا شاحنات نقل السكر المخصص لحساب وزارة التموين من دخول المصنع، في رسالة مباشرة تعكس حجم الغضب والاستعداد للمواجهة.

 

رفض جماعي وغضب متصاعد

 

وأكد عامل بمجمع الحوامدية أن العرض الحكومي قوبل برفض واسع وغضب شديد، مشددًا على أن العمال متمسكون بمطالبهم الأساسية، وعلى رأسها التطبيق الفعلي للحد الأدنى للأجور، وتعديل الرواتب بشكل عادل يراعي سنوات الخدمة، وضم العلاوات، وتثبيت العمالة المؤقتة وعمال اليومية الذين لا تتجاوز أجورهم 120 جنيهًا في اليوم.

 

شائعات الإقالة… وجذور الأزمة الإدارية

 

وترددت خلال الساعات الماضية أنباء عن إقالة صلاح فتحي، الرئيس التنفيذي لشركة السكر والصناعات التكاملية، ما دفع عمالًا في مصانع دشنا وإدفو والحوامدية للاحتفال في مقاطع مصورة، قبل أن يتم نفي تلك الأنباء لاحقًا.

 

غير أن هذه الشائعات كشفت حجم الاحتقان تجاه الإدارة، إذ يتهم عمال فتحي بممارسة سياسات تعسفية ومعاقبة المشاركين في الاحتجاجات السابقة.

 

ووفق شهادات عمالية، شهدت الشركة خلال الشهور الماضية وقائع نقل تعسفي وتسريح جماعي، من بينها محاولة عامل بمصنع سكر كوم أمبو الانتحار في نوفمبر الماضي بعد نقله قسرًا إلى مجمع الحوامدية، فضلًا عن نقل خمسة عمال آخرين، وتسريح أكثر من 40 عاملًا مؤقتًا بمصنع الخشب الحبيبي عقب مشاركتهم في إضراب سابق.

 

مطالب واضحة ومتصاعدة

 

وتتضمن مطالب العمال حزمة واسعة، تشمل:

 

  • تطبيق الحد الأدنى للأجور بأثر رجعي.
  • رفع الحافز الشهري إلى 350%.
  • زيادة الأرباح السنوية إلى 60 شهرًا.
  • رفع بدل الوجبة إلى 1800 جنيه، والبدل النقدي إلى 1500 جنيه.
  • ضم علاوتي 2017 و2018.
  • تثبيت العمالة المؤقتة، وتسوية أوضاع الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة.
  • عودة مساهمة الشركة في علاج أسر العاملين بنسبة 50% دون حد أقصى.

 

توقيت بالغ الحساسية

 

وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية استثنائية لتزامنها مع قرب انطلاق موسم إنتاج السكر، الذي يبدأ عادة في النصف الثاني من يناير، ما يضع الحكومة وإدارة الشركة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على احتواء الأزمة دون تعطيل الإنتاج في واحد من القطاعات الاستراتيجية.

 

أرقام الأرباح… وروايتان متناقضتان

 

وتشير البيانات إلى أن شركة السكر والصناعات التكاملية حققت في عام 2025 إيرادات بلغت 44 مليار جنيه، مقارنة بـ33 مليارًا في 2024، مع توقعات ببلوغ 50 مليار جنيه خلال العام المقبل.

 

ورغم ذلك، تقول الإدارة إن مصانع القصب لا تحقق أرباحًا حقيقية، وإن الإيرادات مدفوعة بمصانع سكر البنجر، وهو ما يرفضه العمال، معتبرين أن وزارة التموين تحصل على إنتاجهم بأسعار متدنية لا تعكس قيمته الحقيقية، ما يؤدي إلى إهدار أرباحهم.

 

تاريخ طويل من الاحتجاجات

 

وليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها القطاع احتجاجات واسعة، إذ شهدت مصانع الشركة في أغسطس وسبتمبر الماضيين إضرابات استمرت أكثر من ثلاثة أسابيع، انتهت حينها تحت وطأة ضغوط إدارية وأمنية، دون حلول جذرية، ما أعاد الأزمة إلى الواجهة بشكل أكثر حدة اليوم.