قبل أيام قليلة من حلول الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير 2011، شهد الفضاء الرقمي المصري تحركًا سياسيًا غير مسبوق أعاد إلى الواجهة أسئلة كبرى حول المزاج العام، وحدود السيطرة على المجال الإلكتروني، وقدرة الأجيال الجديدة على ابتكار أدوات احتجاج خارج الأطر التقليدية.

 

فقد أطلقت حركة شبابية تطلق على نفسها اسم “جيل زد” استفتاءً إلكترونيًا شعبيًا بعنوان “استمارة عزل السيسي”، يدعو المشاركين فيه إلى التصويت على عزل عبد الفتاح السيسي من منصبه، في خطوة وُصفت بأنها جريئة ومفاجئة في سياق سياسي يتسم بتضييق واسع على أي تعبير معارض.

 

الاستفتاء، الذي أُطلق عبر موقع إلكتروني خاص بالحركة، تضمن شرحًا تفصيليًا لآلية المشاركة، مع التأكيد على طابعه الرمزي باعتباره تعبيرًا سياسيًا جماعيًا لا إجراءً قانونيًا.

 

وخلال ساعات قليلة من تدشينه، انتشر رابط الاستفتاء على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما منصة “إكس”، مصحوبًا بوسم #عزل_السيسي الذي سرعان ما تصدر التفاعلات لدى قطاعات من المستخدمين داخل مصر وخارجها.

 

أرقام لافتة في زمن القيود

 

بحسب ما أعلنته حركة “جيل زد”، تجاوز عدد المشاركين في الاستفتاء حاجز 200 ألف مصوت في أقل من 48 ساعة فقط، في ظل القيود الصارمة المفروضة على العمل السياسي، والرقابة المشددة على الإنترنت داخل البلاد. وأكدت الحركة أن هذا التفاعل الكبير جاء رغم حجب الموقع الإلكتروني للاستفتاء بعد فترة قصيرة من إطلاقه.

 

وأفاد مشاركون بأنهم واجهوا صعوبات تقنية في الوصول إلى منصة التصويت من داخل مصر، ما دفع كثيرين إلى استخدام وسائل بديلة مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وهو ما انعكس في تصاعد التفاعل مع الوسم الداعم للحملة، وتحوله إلى مساحة للتعبير عن الغضب السياسي والاجتماعي، وتبادل التعليمات التقنية لتجاوز الحجب.

 

من هم “جيل زد”؟

 

تُعرّف حركة “جيل زد” نفسها باعتبارها مبادرة شبابية غير تقليدية، لا تنتمي إلى الأحزاب أو الكيانات السياسية المعروفة، وتعتمد بشكل أساسي على الأدوات الرقمية في الحشد والتعبير. وتستهدف الحركة شريحة عمرية شابة نشأت في ظل أزمات اقتصادية متراكمة، وواقع سياسي مغلق، وفرص محدودة للمشاركة العامة.

 

وبخلاف التنظيمات الهرمية الكلاسيكية، تقدم “جيل زد” نفسها كشبكة مفتوحة، تعتمد على التفاعل الأفقي، وإنتاج المحتوى، واستخدام الوسوم، وهو نمط من النشاط السياسي بات شائعًا بين أجيال جديدة ترى في الفضاء الرقمي بديلاً عن المجال العام المغلق.

 

لماذا الآن؟

 

توقيت إطلاق الاستفتاء لم يكن عشوائيًا. فقد جاء متزامنًا مع اقتراب ذكرى ثورة 25 يناير، التي لا تزال تمثل رمزًا مركزيًا في الوعي الجمعي المصري، رغم محاولات إعادة تعريفها رسميًا أو تفريغها من مضمونها الاحتجاجي. كما يأتي في ظل ضغوط اقتصادية متصاعدة، شملت ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، وتآكل القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين.

 

وتشير تقديرات إلى أن فئة الشباب، التي تشكل العمود الفقري لحركة “جيل زد”، هي الأكثر تأثرًا بهذه الأوضاع، والأقل ارتباطًا بالسرديات السياسية التقليدية، ما يجعلها أكثر استعدادًا لتجريب أشكال جديدة من التعبير والاحتجاج.

 

حجب بلا بيانات رسمية

 

رغم الانتشار الواسع للاستفتاء، لم تصدر السلطات أي بيان رسمي بشأن المبادرة أو حجب موقعها الإلكتروني. إلا أن شهادات مستخدمين داخل مصر أكدت تعذر الوصول إلى المنصة بعد ساعات من إطلاقها، في مشهد بات مألوفًا في التعامل مع المبادرات الرقمية غير المرغوب فيها.

 

ويصف مراقبون هذا الأسلوب بأنه “حجب صامت”، يهدف إلى تقليص الانتشار دون منح المبادرة أهمية إضافية أو اعترافًا ضمنيًا بوجودها.

 

خطاب مختلف ورهان على الوعي

 

اللافت في حملة الاستفتاء هو الخطاب المستخدم، الذي اتسم بلغة مباشرة، وشعارات تركز على كسر حاجز الخوف، والرهان على الوعي الجمعي، مع تكرار عبارات تؤكد أن “المعركة معركة وعي قبل أي شيء”. كما شجعت الحملة المشاركين على الاستمرار في التصويت والتفاعل رغم الحجب، باعتبار أن “الصوت الرقمي لا يمكن مصادرته بالكامل”.

 

جيل جديد وأدوات جديدة

 

يعكس هذا التحرك، بحسب متابعين، ملامح جيل لم يعش تجربة ما قبل 2011، أو كان صغير السن خلالها، لكنه تعلم من تجارب سابقة، وطوّر أدواته الخاصة للتعبير السياسي. جيل أقل انشغالًا بالأيديولوجيات، وأكثر تركيزًا على القضايا المعيشية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.

 

وبينما يبقى تأثير هذا الاستفتاء على المدى السياسي غير واضح، إلا أن دلالته الأهم تكمن في كونه مؤشرًا على حيوية كامنة في الفضاء الرقمي، وعلى أن محاولات السيطرة الكاملة على المجال العام قد تواجه دائمًا بأدوات جديدة، وفاعلين جدد، يعيدون طرح الأسئلة الكبرى بطرق غير متوقعة.

 

للتصويت:

 

https://www.genz002.net