لم يكن هدم مبنى هندسة السكة الحديد في ميدان رمسيس مجرد إزالة منشأة حكومية قديمة، بل خطوة ثقيلة الدلالة في مسار طويل لإعادة تشكيل قلب العاصمة وفق رؤية استثمارية صِرفة، ترى في الأرض قيمة مالية قبل أن تراها ذاكرة وطنية. المبنى، الذي شكّل على مدى أكثر من قرن جزءًا من نسيج القاهرة الصناعي والإداري، كان شاهدًا على مراحل تأسيس وتحديث السكك الحديدية المصرية، وعلى تحولات الدولة نفسها من الاحتلال إلى الاستقلال ثم التأميم، قبل أن يُمحى فجأة من المشهد.
يرى خبراء في التراث العمراني أن ما جرى يتجاوز الاعتبارات الوظيفية أو “التطويرية” المعلنة، ويدخل في إطار سياسة أوسع لإفراغ وسط القاهرة—وخاصة رمسيس—من مؤسسات الدولة التاريخية، تمهيدًا لإعادة توظيف الأراضي الأعلى قيمة في العاصمة. فخلال العقد الأخير، شهدت المنطقة خروج وزارات وهيئات ومصالح عامة، وترافق ذلك مع موجات هدم وإخلاء لمبانٍ حكومية ذات قيمة عمرانية، دون طرح رؤية شفافة تُقنع الرأي العام بأن البديل سيحفظ هوية المكان.
الهدم الأخير جاء ضمن سلسلة تغييرات شملت إزالة أجزاء من مجمع ورش السكك الحديدية القديمة، ومبانٍ إدارية تابعة للهيئة، فضلًا عن مبانٍ تاريخية أخرى في نطاق رمسيس والأزبكية خلال السنوات الماضية. النتيجة—بحسب المتخصصين—فقدان طبقات عمرانية متراكمة، واستبدالها بوظائف جديدة لم تتضح ملامحها، ولا علاقتها بالذاكرة الجمعية للمدينة.
من أربعينيات الملكية إلى بلدوزرات الجمهورية: سوابق تُمهِّد للهدم
قبل سنوات قليلة، وتحديدًا في 2023، أنهت حكومة عبد الفتاح السيسي محو مبنى الطب الشرعي من الوجود. الوثائق التاريخية تؤكد أن المبنى أُنشئ بين عامي 1944 و1948 في عهد الملك فاروق، ضمن خطة تحديث منظومة العدالة والطب الشرعي. وكان جزءًا من “مجمع العدالة” الذي ضم دار المحاكم المختلطة ومكاتب النيابة ومصلحة الطب الشرعي، وصُمّم بطراز آرت ديكو مع لمسات كلاسيكية جعلته علامة معمارية مميزة في محيط رمسيس.
تكرار السيناريو مع مبنى هندسة السكة الحديد يطرح—وفق خبراء—سؤالًا ملحًا: لماذا تُزال مبانٍ حكومية تاريخية بدل ترميمها وإعادة توظيفها؟ ولماذا تُقدَّم مشاريع “التطوير” دائمًا بلا خرائط واضحة أو نقاش عام؟ التعليقات الغاضبة على منصات التواصل الاجتماعي عكست هذا التساؤل بحدة. كتب شهاب طارق مستحضرًا نجيب محفوظ: “رغم المناشدات والاستغاثات… البلدوزر يبدأ عملية الهدم… إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل.”
https://x.com/FattahFattahh/status/2009594201089175992
السخرية لم تغب أيضًا. علق حساب @BabaYssser متسائلًا عن معنى “القيمة العمرانية” بعد تصريح رئيس الحكومة في أغسطس 2025 بأن أي مبنى مُسجَّل لن يُسمح بهدمه، بينما يُهدم مبنى من أوائل القرن العشرين بلا تردد.
https://x.com/BabaYssser/status/1953298721157922847
وفي تناقض صارخ، تزامن هدم مبنى هندسة السكة الحديد مع إعلان محافظة القاهرة إخلاء كوبري الليمون التراثي—الذي يعود إلى 1889—بهدف ترميمه. تساءل @Wesomania_: كيف يُهدم مبنى أثري ويُترك آخر بحجة الحفاظ؟
https://x.com/Wesomania_/status/1962866185315164335
مبنى عمره قرن.. ووظيفة شُطبت من الذاكرة
يعود إنشاء مبنى هندسة السكة الحديد في رمسيس إلى الفترة بين 1903 و1906، ضمن مشروع توسعة محطة مصر وتحديث البنية الإدارية للسكك الحديدية في عهد الاحتلال البريطاني. شُيّد بطراز إداري كلاسيكي متسق مع مباني المحطة الأصلية، وكان جزءًا من مجمع هندسي ضم ورش الصيانة ومكاتب التشغيل. شهد المبنى مراحل تطوير متعاقبة: في الخمسينيات بعد التأميم، وفي السبعينيات بإضافة طوابق جديدة، ثم في التسعينيات مع إدخال أنظمة أرشفة رقمية.
لم يكن المبنى حجرًا فقط؛ كان مركزًا حيًا لإدارات هندسة السكة، وصيانة المنشآت، والإشارات الميكانيكية، والتخطيط الهندسي، ولجان السلامة، وتدريب المهندسين الجدد. قبل الهدم، تراوح عدد العاملين بين 900 و1200 موظف، نُقلوا لاحقًا إلى مقرات بديلة في السبتية والعباسية ومخازن الفرز، بينما انتقلت إدارات إلى العاصمة الإدارية.
يرى خبراء التخطيط أن هذا النقل الجماعي يُفرغ وسط القاهرة من وظائفه الإنتاجية والإدارية، ويحوّله تدريجيًا إلى مساحة استهلاكية/سياحية، تُدار بمنطق العائد المالي لا الخدمة العامة. ورغم غياب إعلان رسمي عن بيع الأرض، فإن موقعها الملاصق لمحطة مصر وعلى محور رمسيس يجعلها هدفًا محتملًا لإعادة الاستثمار ضمن موجة “تصفية” أصول وسط البلد.
الغضب الشعبي عبّر عنه حساب @Nino_Ossama بوصف قاسٍ لعهد السيسي باعتباره عهد “طمس وتحريف التاريخ”، معتبرًا أن الهدم تمهيد لبيع الأرض.
https://x.com/Nino_Ossama/status/1958415938811806016
وفي النهاية يحمل هدم مبنى هندسة السكة الحديد رسالة واضحة: إعادة تشكيل وسط القاهرة جارٍ بلا اكتراث كافٍ بالذاكرة العمرانية. يرى خبراء أن استمرار هذا النهج سيُفقد المدينة هويتها التاريخية، ويحوّل قلبها إلى فراغ بلا ذاكرة. السؤال الذي يفرض نفسه: هل التطوير يعني المحو؟ أم أن الحفاظ والترميم وإعادة التوظيف كانت—ولا تزال—خيارات ممكنة أُقصيت لصالح بلدوزر أسرع وأعلى كلفة على التاريخ؟

