في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن تراجع معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف خلال 2026، تكشف بيانات الأسواق المحلية عن واقع مختلف تمامًا، يعكس فجوة متزايدة بين المؤشرات الرسمية وحياة المواطنين اليومية.
إحصاءات الحكومة تعرض أرقامًا تُسوّق باعتبارها مؤشرات تحسن، لكنها في الوقت نفسه تُظهر اشتعال أسعار السلع الأساسية التي تمس موائد المصريين بشكل مباشر، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل التضخم تراجع فعليًا، أم جرى فقط إعادة تعريفه حسابيًا؟
بيانات الحكومة تتحدث عن تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف خلال 2026، بينما الأسعار في الأسواق تسير في اتجاه معاكس، مع بقاء مستويات مرتفعة للسلع الغذائية، ما يعني أن أثر أي تراجع نظري في التضخم لم يصل بعد – إن وصل أصلًا – إلى المستهلك النهائي.
أرقام «الانخفاض».. تراجع نسبي لا ينعكس على موائد الناس
بحسب بيان الحكومة، تشير البيانات إلى انخفاض أسعار بعض السلع بنسب مئوية محددة، جاءت كالتالي:
- الفاكهة: انخفاض بنسبة 22.6%
- الخضروات: انخفاض بنسبة 4.8%
- الأسماك: انخفاض بنسبة 4.3%
- اللحوم والدواجن: انخفاض بنسبة 4.1%
- الألبان والبيض والجبن: انخفاض هامشي بنسبة 0.1%
خبراء اقتصاد يلفتون إلى أن هذه النسب، رغم أهميتها الحسابية، لا تعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية. فالانخفاض يُقاس مقارنة بذروة أسعار مرتفعة أصلًا، وليس مقارنة بمستويات ما قبل موجات التعويم ورفع الدعم.
بمعنى أدق، الأسعار نزلت من مستوى صادم إلى مستوى لا يزال مرهقًا.
كما أن بعض الانخفاضات موسمية بطبيعتها، خاصة في الخضروات والفاكهة، وترتبط بدورات الإنتاج وليس بتحسن هيكلي في الاقتصاد أو انخفاض تكلفة النقل والطاقة أو مدخلات الإنتاج.
الأسعار في الأسواق.. الواقع اليومي يناقض الخطاب الرسمي
رغم الحديث عن تراجع التضخم، يعرض بيان الحكومة أسعارًا حالية في الأسواق المحلية تكشف حجم العبء الواقع على الأسر:
- البيض: 150 جنيهًا للكرتونة
- الدجاج: 250 جنيهًا للكيلو
- السمك: 100 جنيه للكيلو
- اللحوم: 500 جنيه للكيلو
خبراء معيشة يؤكدون أن هذه المستويات السعرية لا تتناسب مع متوسط الدخول، خصوصًا في ظل ثبات الأجور أو زيادتها بنسب أقل بكثير من الارتفاع التراكمي للأسعار خلال السنوات الماضية.
فحتى مع تراجع نسبي في بعض الأصناف، تظل تكلفة البروتين الحيواني – لحوم ودواجن – خارج متناول قطاعات واسعة من المواطنين، ما يدفع إلى تغييرات قسرية في نمط الغذاء، وانخفاض جودة التغذية، خاصة لدى الأطفال.
ويشير خبراء إلى أن التضخم الحقيقي بالنسبة للمواطن لا يُقاس بمؤشر سنوي مجرد، بل بما يدفعه يوميًا في السوق. فإذا ظل سعر كيلو اللحمة عند 500 جنيه، وكيلو الدجاج 250 جنيهًا، فلا معنى عمليًا للحديث عن تحسن اقتصادي.
تضخم حسابي أم إدارة أزمة؟ قراءة أوسع للسياسات الاقتصادية
يرى خبراء الاقتصاد الكلي أن ما يحدث هو إدارة للأرقام أكثر منه حلًا للأزمة. فخفض التضخم على الورق لا يواكبه:
- تحسن في الدخول الحقيقية
- توسع في شبكات الحماية الاجتماعية
- خفض ملموس لتكلفة النقل والطاقة
- رقابة فعالة على حلقات التداول والهوامش الربحية
كما يشيرون إلى أن استقرار سعر الصرف – إذا تحقق – لا يعني تلقائيًا انخفاض الأسعار، لأن موجات الغلاء السابقة أصبحت “أسعارًا جديدة” استقرت عندها السوق، ولم تعد تتراجع تلقائيًا مع استقرار العملة.
ويحذر خبراء من أن استمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي يعمّق فقدان الثقة، ويحوّل أي حديث عن تحسن اقتصادي إلى مادة للسخرية المجتمعية، بدل أن يكون عامل طمأنة.

