يتناول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، حالة الاغتراب النفسي التي يعيشها المسلم الملتزم في عصرنا الحالي داخل أوطانه، نتيجة لانتشار المنكرات وسيادة قيم العلمانية والفساد في الإعلام والمجتمع. يشير الكاتب إلى المفارقة المؤلمة حيث يُقصى التشريع الإسلامي الذي يحفظ قيم الأمة، ليحل محله قوانين وضعية تبيح المحرمات، بينما يتخلى الحكام عن مسؤولياتهم الدينية ويوالون أعداء الأمة. كما يسلط الضوء على التفاوت الطبقي الصارخ والظلم الاجتماعي، حيث ينعم قلة بالثراء الفاحش بينما تعاني الغالبية من الفقر، مما يخلق بيئة خصبة للكراهية وانتشار الأفكار الهدامة التي تستغل معاناة الناس.
ويرجع االعلامة جوهر هذه الأزمة إلى فرض العلمانية الدخيلة على المجتمعات الإسلامية، وهي نظام يفصل الدين عن الدولة والتشريع، وهو ما يتنافى كلياً مع طبيعة الإسلام كمنهج حياة شامل وعقيدة وشريعة.
يوضح الكاتب أن العلمانية قد تناسب الغرب المسيحي لتاريخه مع الكنيسة، لكنها في الإسلام تمثل خروجاً عن الدين وتعطيلاً لأحكام الله.
وأمام هذا الواقع، يعيش المسلم صراعاً داخلياً وغلياناً نفسياً لعجزه عن تغيير المنكر بيده أو لسانه، مما ينذر بانفجار هذا الكبت إذا استمر تهميش الدين وعزله عن توجيه الحياة العامة.
غربة الإسلام في ديار الإسلام
وسبب آخر يعمل عمله في نفسية الإنسان المسلم الملتزم بتعاليم دينه في هذا العصر، وخصوصًا الشاب، يتمثل في المشهد العام الذي يراه حوله كل يوم.
يرى المنكر يستعلن، والفساد يستشري، والباطل يتبجح، والعلمانية تتحدث بملء فيها، والماركسية تدعو إلى نفسها بلا خجل، والصليبية تخطط وتعمل بلا وجل، وأجهزة الإعلام تشيع الفاحشة وتنشر السوء. يرى النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، ويرى الخمر تشرب جهارًا، وأندية الفساد تجعل الليل نهارًا.
يرى المتاجرة بالغرائز على أشدها: من أدب مكشوف، وأغانٍ خليعة، وصور فاجرة، وأفلام داعرة، وتمثيليات ومسرحيات… كلها تصب في نهر الإغراء بالفسوق والعصيان، والتعويق عن الإسلام والإيمان.
يرى المسلم هذا كله في ديار الإسلام، ويرى معه التشريع الذي يجب أن يعبر عن عقائد الأمة وقيمها في صورة قوانين تحرس معنويات الأمة، وتعاقب من يجترئ على حماها. هذا التشريع – للأسف – يبارك المنكر، ويؤيد الفساد؛ لأنه لم ينبع مما أنزل الله، بل مما وضع الناس، فلا عجب أن يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويسقط فرائض الله، ويعطل حدود الله.
ثم يرى الحكام الذين حملهم الله المسؤولية عن شعوبهم المسلمة يسيرون في واد غير وادي الإسلام، يوالون من عادى الله، ويعادون من والى الله، ويقربون من بعد الله، ويبعدون من قرب الله، ويقدمون من أخر الإسلام، ويؤخرون من قدمه، ولا يذكرون الإسلام إلا في الأعياد والمناسبات، تمويهًا على شعوبهم، وضحكًا على لحاهم.
الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي كوجه آخر للغربة
ومن ناحية أخرى، يرى الظلم الاجتماعي البين، والتفاوت الطبقي الفاحش. أفراد يلعبون بالملايين، وجماهير لا يجدون الملاليم. قصور تشاد وتنفق عليها عشرات الملايين، وربما لا تسكن في السنة إلا أيامًا معدودات، على حين يموت ملايين في العراء، لا يجدون ما يحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء.
أناس تموج خزائنهم بالذهب كما يموج التنور باللهب، وأرصدتهم في البنوك الأجنبية بأرقامها السرية، لا يعلم مقدارها إلا الله والكرام الكاتبون والخواجات الحاسبون. وسواد الناس ليس لهم خزائن إلا الجيوب التي كثيرًا ما تشكو الإفلاس والخواء.
ومع هذا لا يجدون ما يشترون به القوت يسد جوع الأطفال أو يخفف آلام الكبار. ولو تبرع وجيه أو ثري من أثرياء النفط أو الانفتاح أو وسطاء الشركات العالمية بما يكسبه في صفقة أو يخسره في ليلة، لأغنى الكثير من الفقراء وأشبع الكثير من الجياع وكسا الكثير من العراة.
وكيف لا، والثروات الضخمة تجمع بل تنهب، والأموال العامة تسرق بل تغصب، والرشوة لها أسواق، والمحسوبية قائمة على قدم وساق، واللصوص الكبار يتمتعون بالحرية والتكريم، بينما اللصوص الصغار وحدهم يتعرضون للعقاب الأليم.
وفي هذا المناخ، يفتك الحسد والبغضاء بالقلوب والعلاقات، كما تفتك الأوبئة بالأجسام، ويجد دعاة المبادئ الهدامة بيئة مثالية لتأجيج الصراع الطبقي والحقد الاجتماعي، لا حبًا في مذاهبهم، بل كرهًا في الواقع المشهود.
فرض العلمانية وصدامها مع عقيدة الأمة وانفجار الوجدان
وأساس هذا كله أن الإسلام – بشموله وتكامله وتوازنه – غائب عن الساحة، غريب في أوطانه، منكور بين أهله، معزول عن الحكم والتشريع، وعن توجيه الحياة العامة وشؤون الدولة في سياستها واقتصادها وعلاقاتها الداخلية والخارجية.
فُرض على الإسلام أن يتقوقع في العلاقة بين المرء وربه، ولا يتجاوزها إلى العلاقات الاجتماعية أو الدستورية أو الدولية، وأن يكون عقيدة بلا شريعة، وعبادة بلا معاملة، ودينًا بلا دولة، وقرآنًا بلا سلطان.
والمشكلة في جوهرها هي فرض العلمانية على المجتمع الإسلامي، وهي اتجاه دخيل، غريب عن قيمه وتاريخه. فالعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة، وهو أمر لم يعرفه الإسلام في تاريخه قط، إذ كانت الشريعة أساس الفتوى والقضاء والحكم.
ولهذا تصدم هذه الحالة وجدان الجيل المسلم بعنف، إذ يجد نفسه وحده مطالبًا بالعيش في صراع دائم بين عقيدته وواقعه، بين دينه ومجتمعه. فلا يستطيع تغيير المنكر بيده، ولا بلسانه، فلا يبقى له إلا تغييره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
غير أن هذا الغليان النفسي لا يظل مكبوتًا أبد الدهر، فالقدر إذا زادت عليه النار، لا بد أن يتفجر أو يتكسر.

