في ظل سعي إثيوبيا الدؤوب في إيجاد موطئ قدم لها على البحر الأحمر بعد أن أصبحت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، الأمر الذي ترفضه مصر، باعتبارها إحدى الدولة المطلة عليه، برزت التحليلات الإثيوبية التي تتهمها باتخاذ منحى استعماري والعمل على تكريس حالة من الفوضى.
وقال موقع "هورن ريفيو" إن ممر البحر الأحمر ظل على الرغم من كونه أحد أهم الشرايين البحرية على وجه الأرض، بلا قانون، وضعيف الحكم، وقابلًا للاستغلال المزمن لعقود. وبدلًا من الأمن الجماعي أو الإدارة المتماسكة، تُركت المنطقة لتتدهور في ظل حروب بالوكالة، وإنكار، وإنفاذ انتقائي.
وأضاف: "لقد تطورت إلى منطقة رمادية لا يتحمل فيها أي طرف المسؤولية الكاملة، واستمر كل طرف في تحميل الآخرين التكلفة. اعتمدت التجارة العالمية على انفتاحها، ومع ذلك لم يظهر أي إطار إقليمي أو دولي لتأمينها كمصلحة استراتيجية مشتركة".
ووصف الموقع القرن الأفريقي بأنه كان أول ضحايا هذا الفراغ، ولا يزال الضحية الرئيسة له، "فقبل وقت طويل من وصول اضطرابات باب المندب أو الهجمات على السفن التجارية إلى عناوين الأخبار العالمية، عاشت مجتمعات القرن الأفريقي مع تبعات هذا التشرذم والتلاعب الخارجي. وما يشهده العالم اليوم كأزمات متقطعة، كان بالنسبة للقرن الأفريقي حالة دائمة".
موقف مصر الاستراتيجي تجاه البحر الأحمر
فيما سلط الضوء على موقف مصر الاستراتيجي تجاه البحر الأحمر، الذي قال إنه يهدف إلى الحفاظ على هيمنتها، واحتكارها للممرات المائية الإقليمية الحيوية، وقبل كل شيء، كبح جماح إثيوبيا"، متابعًا: "لم يكن الاستقرار هدفًا قط، بل كان الهدف هو إدارة الفوضى".
وشدد الموقع الإثيوبي على أن أمن البحر الأحمر الحقيقي يتطلب ظهور جهات فاعلة جديدة، وتوازنات جديدة، وقواعد جديدة، لا سيما مع الأخذ في الاعتبار الثقل الديموجرافي والاقتصادي والاستراتيجي لإثيوبيا.
وأشار إلى أن "هذه النتيجة تهدد نفوذ مصر الراسخ. في المقابل، تُجمّد الفوضى التسلسل الهرمي، وتؤخر إعادة تشكيله، وتُخفي تراجع النفوذ وراء رقابة إجرائية".
وادعى أن مصر استغلت نفوذها داخل جامعة الدول العربية للحفاظ على هذا الترتيب، وتسامحت السعودية وتركيا ودول أخرى من الكتلة العربية مع هذا الوضع طالما أبقى هذا التكوين إسرائيل على مسافة آمنة وإثيوبيا محاصرة استراتيجيًا، وهو ما يمثل تقاربًا للمصالح الاستراتيجية.
عدم الاستقرار
وفيما رأى أن أيًا من الأطراف لم يتحمل مسؤولية النظام الإقليمي؛ زعم الموقع أن كل طرف قبل بنظامٍ يُفضّل فيه عدم الاستقرار على إعادة توزيع السلطة. ومُورست السيطرة بشكل غير مباشر، من خلال وكلاء واستبعادات ومشاركة انتقائية بدلاً من الالتزامات الأمنية المشتركة.
وقال إن إيران استغلت هذا التدهور من زاوية مختلفة، وذلك بنشرها للأسلحة والإمدادات اللوجستية وشبكات النفوذ على طول سواحل إريتريا والصومال، وربطها بالحوثيين في اليمن.
وتابع الموقع الإثيوبي: "كان هذا استغلالاً هيكليًا للفرص، مستغلاً ضعف السيادة الساحلية، وسهولة اختراق المجال البحري، وإمكانية إنكار طرق العبور، مما حوّل البحر الأحمر إلى مسرح مثالي لحرب غير متكافئة".
وحيثما عجزت الدول عن فرض سلطتها، يقول إن الجهات الفاعلة غير الحكومية اكتسبت عمقًا استراتيجيًا، وظهرت القرصنة الصومالية واستمرت لأن الدول الساحلية كانت تفتقر إلى القدرات البحرية والسيطرة القانونية، مما حوّل ممرًا ملاحيًا رئيسًا إلى منطقة خارجة عن سيطرة الدولة.
الفشل في الحوكمة
ورأى أن الفشل في الحوكمة أدى إلى الهجرة الجماعية والإرهاب والاتجار بالبشر وتدفق الأسلحة غير المشروعة. فقد حوّلت السواحل غير الخاضعة للرقابة والحدود الرخوة البحر الأحمر إلى ممر لوجستي للمهربين الذين ينقلون المهاجرين نحو الخليج وأوروبا، والأسلحة إلى الميليشيات والمتمردين عبر القرن الأفريقي واليمن. وقد مكّن انهيار الدول هذه الشبكات، وتغاضت عنها القوى الإقليمية، وتجاهلتها طالما كانت الخسائر البشرية والأمنية تقع في المقام الأول على عاتق الأفارقة.
وخلص إلى أن النتيجة النهائية هي سلسلة من الدول الساحلية المتشرذمة، إريتريا وجيبوتي والصومال واليمن، عاجزة عن تأمين حدودها الساحلية، فضلاً عن أهم خط بحري في العالم. وقال إن هذه الدول تعمل ضمن هيكل بالوكالة، ومركزها الاستراتيجي هو مصر.
وأضاف: "وقد اعتمدت إريتريا وجيبوتي والصومال، على وجه الخصوص، على اقتصادات سياسية طفيلية، تقوم على فرض الرسوم وزعزعة الاستقرار والمحسوبية الخارجية، بدلاً من التكامل الإنتاجي القادر على إنعاش اقتصادها المتداعي. ويرتبط بقاؤها السياسي، أكثر من ارتباطه بالتنمية، ببقاء إثيوبيا مقيدة، وإرضاء ضامنها في القاهرة".
ورأى أن ما سماه بـ "الهيكل الجيوسياسي ذو النزعة العربية" فرض تكاليف باهظة تفوق بكثير أي فوائد متوقعة. فقد حال دون التعاون بين الدول الفقيرة بالموارد ولكنها ذات أهمية استراتيجية بالغة، تاركًا وراءه دولة الصومال الفاشلة والسودان المنقسم حاليًا.
أخطاء مصر الاستراتيجية
وقال "هورن ريفيو" إن مصر سارعت في تنفيذ أخطائها الاستراتيجية التي أعطت الأولوية للحكم العسكري المتحالف على حساب الانتقال إلى الديمقراطية المدنية في السودان، وحتى في ليبيا شمالًا.
وبالمثل، ادعى أن مصر تواصل إطلاق التهديدات ورسم خطوط حمراء متتالية، رافضةً الاعتراف بالتغيرات الجيوسياسية في منطقة النيل. ولا تزال مصر متمسكة بالترتيبات الاستعمارية التي استغلتها لعقود لعرقلة التنمية في أعالي النهر والحفاظ على احتكارها وسيطرتها. لكنه رأى أن "هذا الواقع لم يعد قائمًا، فقد سقط جدار الإرث الاستعماري لنهر النيل"، وفق قوله.
وأشار إلى أن مصر ترفض الاعتراف بأن حوض النيل قد دخل مرحلة جديدة، حيث وقّعت دول المنبع الأفريقية إطارًا تعاونيًا لتجاوز القيود الاستعمارية البالية.
وشدد على أن "هذا التحول لا رجعة فيه. لم يعد سد النهضة مجرد مشروع نظري يحتاج إلى مزيد من النقاش، بل أصبح واقعًا عمليًا أوصل الكهرباء إلى ملايين الأشخاص وعزز أمن الطاقة الإقليمي".
ورأى أن الحقائق على أرض الواقع قد تجاوزت النظام القديم القائم على التهديد. "والآن، لا بد من إسقاط الفوضى المُدارة في البحر الأحمر والجدار العربي الإقصائي".
https://hornreview.org/2025/12/31/managed-disorder-and-the-red-sea-wall/

