قوتنا في سلميتنا

د. محمود غزلان  المتحدث الرسمي باسم الإخوان المسلمين

ظلت الشعوب فترة طويلة من الزمن مجردة من السيادة لا رأي لها ولا إرادة فيمن يحكمها، تستيقظ في الصباح لتكتشف أن مجموعة العسكريين قد قفزوا على السلطة وأطاحوا بالجالسين عليها، وبعد فترة تنقلب مجموعة أخرى من العسكر على من سبقهم، وهكذا دواليك حتى قيل إن من يستيقظ مبكرا من العسكر يستولى على الحكم في مغامرات متواصلة، وغالبا ما ينهزم هؤلاء المغامرون إذا ما واجهوا أعداء أوطانهم حتى انطبق عليهم قول الشاعر :

أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر

وبمرور الوقت بدأت الشعوب تشعر بكرامتها وتسعى لتأكيد سيادتها وتحرير إراداتها وتتصدى للحكام الديكتاتوريين، ولم تكن المعركة متكافئة، فالسلاح المدجج في أيدي الحكام، ومع ذلك فقد أدركت الشعوب أن معها قوة هي قوة الحق، وأن هذه القوة قادرة على هزيمة أعتى الأسلحة بصدورها العارية وأيديها الفارغة .

وقد رأينا في العصر الحديث ثورات شعبية تصدت فيها الشعوب لأنظمة ديكتاتورية إرهابية ودفعت أثمانا غالية من الأرواح والدماء ولم تستخدم بعضها إلا الورود تنثرها على الجنود وهم يحصدون أرواحهم بالرصاص الحي، حتى اضطر الجنود أخيرا إلى ترك السلاح والانضمام إلى الشعوب، وهنا فرّ بعض الحكام وتم القبض على آخرين حيث تم القصاص منهم .

من هذه الثورات : الثورة السودانية 1964 حيث كان الفريق إبراهيم عبود هو الحاكم الذي استولى على الحكم بانقلاب عسكري وسجن الحاكم الشرعي إسماعيل الأزهري، وفي عام 1964 ثار الشعب السوداني ضده ثورة سلمية فأمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين فسقط منهم عدد من الشهداء واستمرت المظاهرات، وفي اليوم الثاني تكرر إطلاق النار وسقوط الشهداء، وفي اليوم الثالث رفض الضباط والجنود الاستجابة للأمر بإطلاق النار، وأجبر الفريق إبراهيم عبود على الرحيل وأبعد الجيش عن السياسة، ونجحت الثورة وأجريت انتخابات برلمانية، وكانت سلميتهم هي سر قوتهم .

وفي سنة 1979 قامت ثورة شعبية كبيرة على حكم الشاه في إيران بعد أن عاث فيها فسادا واستبدادا على مدى 40 عاما، وتكرر سقوط الشهداء بالآلاف كل يوم، والثورة مستمرة حتى استسلم الجيش وفرّ الشاه ولم يجد دولة تؤويه إلى أن دعاه السادات إلى مصر رغم رفض الشعب المصري كله ومات فيها ملعونا مكروها، وتم القصاص من رئيس وزرائه وقيادات جيشه وحرسه ونجحت الثورة بسلميتها وتحضرها .

وفي رومانيا ثار الشعب الروماني على الطاغية شاوشيسكو وزحف على القصر الجمهوري فاستقبله الحرس بالرصاص وسقط الصف الأول من المتظاهرين فتجاوز الصف الثاني جثثهم وتقدم نحو القصر وتم حصد الصف الثاني وهكذا حتى هرب الحرس وترك شاوشيسكو يسقط في أيدي الثوار الذين حاكموه وحكموا عليه بالإعدام ونفذوا الحكم قصاصا من جرائمه الرهيبة، وكانت قوتهم في سلميتهم .

وفي 25 يناير 2011 ثار الشعب المصري ثورة سلمية ضد الطاغية حسني مبارك وقدم ألف شهيد وآلاف الجرحى، وانهار جهاز الشرطة الذي أعده على مدى ثلاثين عاما وأنفق عليه المليارات من أموال الشعب لكي يقمع الشعب ويرهبه ويبطش به، واضطر الطاغية إلى الرحيل تحت ضغط السلمية والإصرار والصبر والصمود والتضحية .

واليوم ونحن نتصدى للثورة المضادة التي أفلحت في القيام بانقلاب عسكري وأطاحت بالشرعية واختطفت الرئيس الشرعي المنتخب وعطلت الدستور المستفتى عليه وحلت مجلس الشورى المنتخب، وهي أبرز مكاسب ثورة 25 يناير 2011م، وفعلت ذلك تحت غطاء مجموعة من السياسيين الفاشلين الذين خسروا في الانتخابات والاستفتاءات الخمسة التي خاضوها، والذين تنكروا لكل ما زعموا من مبادئ الحرية والديمقراطية والدولة المدنية ورفض الدولة العسكرية والبوليسية، إذا بهم يحرضون الجيش على الانقلاب ويقفون معه ضد الإرادة الشعبية والسيادة الشعبية والشرعية الدستورية، ونحن نتصدى للانقلاب العسكري الدموي الإرهابي نستلهم كل هذه الثورات التي ذكرناها وعلى رأسها ثورة 25 يناير من حيث سلميتها وتحضرها وزخمها الشعبي، ونتمسك بذلك رغم مئات الشهداء وآلاف الجرحى وآلاف المعتقلين الذين قدمناهم خلال ثلاثة أسابيع فقط من هذا الانقلاب العسكري الدموي، ولم ولن نلجأ لاستخدام القوة المادية مهما استخدم الانقلابيون القوة المادية، فسلميتنا أقوى من أسلحتهم، وسوف ينتصر دمنا على رصاصهم لأن دمنا هو دليل الحق وثمن الحرية والكرامة، ولن تنتصر إرادة طغمة باغية على إرادة شعب حر مكافح يستمد قوته من قوة الله

---------------------------------------------------------
موقع نافذة مصر